تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخذ الشيخ رحمه الله تعالى بعد ذلك يبين بالدليل أن كل ما ذكره أولئك الفقهاء، من مخالفة هذا الحكم الذي ثبت بحديث الرسول للقياس، ليس صحيحا في شيء منه، وأن هذا الحكم لا يخالف القياس بل يوافقه تماما، وقد نعرض لهذا الرد بالتفصيل بعد حين.

هذا، ونأخذ الآن في الكلام عن بعض العقود التي يرى شيخ الإسلام بحق أنها جاءت على وفق القياس، لا مخالفة له كما قال جمهور الفقهاء الآخرين، وقد اخترنا أن نمثل لذلك بهذه العقود: السلم، الإجارة، المضاربة، ثم مسألة المصراة:

السلم:

من شروط صحة العقد عند جمهور الفقهاء أن يكون موضوعه (أي المعقود عليه) موجودا حين العقد، فالمعدوم لا يصح إذن أن يكون محلا للتعاقد؛ لأنه من غير المعقول أن يتعلق حكم العقد وآثاره بشيء معدوم لا يقدر على تسليمه إلا بعد إتمام التعاقد، وحينئذ قد يثور النزاع والخصومة بين المتعاقدين، على حين أن العقود يجب أن تقوم على التراضي من الجانبين.

وترتب على هذا الشرط أو القاعدة، أنهم اضطروا للقول بأن عقود السلم والإجارة والمضاربة والاستصناع ونحوها مستثناة من هذه القاعدة العامة، وأنها تجوز شرعا استحسانا لا قياسا، للحاجة إليها.

ومن المعلوم أن السلم عقد على شيء معدوم، فإنه بيع شيء آجل بثمن عاجل، ومع هذا لا خلاف بين الفقهاء في جوازه شرعا، لما رواه الشيخان عن طريق ابن عباس الذي قال: قدم النبي

صلى الله عليه وسلم

المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث فقال: «من أسلف

23

في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم.»

ولكن ابن تيمية ينكر ما ذهب إليه أولئك الفقهاء من اشتراط أن يكون موضوع العقد موجودا غير معدوم، ومن ثم ينكر أن يكون جواز عقد السلم والإجارة ونحوهما ثبت على خلاف القياس، وهو في ذلك يقول: «لا تسلم صحة هذه المقدمة (أي القاعدة أو الشرط المذكور)، فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، بل ولا عن أحد من الصحابة، أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عام ولا بمعنى عام.

وإنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما في النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي موجودة، وليست العلة في النهي لا الوجود ولا العدم، بل الذي ثبت في الصحيح عن النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه نهى عن بيع الغرر، والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدوما، كالعبد الآبق والبعير الشارد، ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمه بل قد يحصل وقد لا يحصل، وهو غرر لا يجوز بيعه وإن كان موجودا.

فإن موجب البيع تسليم المبيع، والبائع عاجز عنه، والمشتري إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة، فإن أمكنه أخذه كان المشتري قد قمر البائع،

24

وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشتري.

25

وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهى عن بيعه لكونه غررا لا لكونه معدوما، كما إذا باع ما يحمل هذا الحيوان أو ما يحمل هذا البستان، فقد يحمل وقد لا يحمل، وإذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفه، فهذا من القمار، وهو من الميسر الذي نهى الله عنه.

ومثل هذا إكراء دواب لا يقدر على تسليمها، أو عقار لا يمكنه تسليمه، بل قد يحصل وقد لا يحصل، فإنه إجارة غرر» إلى آخر ما قال.

26

هكذا فحص الشيخ رحمه الله عن العلة في منع بعض الأشياء المعدومة، ووجدها بحق أنها الغرر الذي يكون فيها؛ أي عدم القدرة على تسليمها، فإذا وجدت هذه العلة في بعض الأشياء الموجودة كان بيعها أيضا منهيا عنه؛ لأن في المبيع أو الإجارة في الحالين قمارا وميسرا نهى عنه الله تعالى وحرمه بنص صريح من القرآن، وإذن يكون كل من السلم والإجارة على وفق القياس بلا ريب.

ولكنه مع هذا يخص كلا من هذين العقدين ونحوهما بكلمة خاصة يبين فيها أنه ثبت جوازه شرعا على وفق القياس، فهو يذكر أن قول الفقهاء إن السلم على خلاف القياس هو من جنس ما رووه من أن الرسول

ابن تيمية · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٥٥