تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد أن أتى بأمثلة أخرى، وتكلم عن القياس صحيحه وفاسده، قال: «ولفظ النص يراد به تارة ألفاظ الكتاب والسنة، سواء كان اللفظ دلالته قطعية أو ظاهرة، وهذا هو المراد من قول من قال: النصوص تتناول أحكام المكلفين ... ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد، ولا يوجد نص يخالف قياسا صحيحا، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح ...

ومن كان متبحرا في الأدلة الشرعية، أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة، فثبت أن كل واحد من النص والقياس دل على هذا الحكم كما ذكرناه من الأمثلة.

فإن القياس يدل على تحريم كل مسكر كما يدل النص على ذلك، فإن الله حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة والبغضاء، وتصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة، كما دل القرآن على هذا المعنى، وهذا المعنى موجود في جميع الأشربة المسكرة لا فرق في ذلك بين شراب وشراب.

20

فالفرق بين جميع الأنواع المشتركة من هذا الجنس، تفريق بين المتماثلين، وخروج عن موجب القياس الصحيح، كما هو خروج عن موجب النصوص ...» إلى آخر ما قال.

الثالثة:

نرى أخيرا أن شيخ الإسلام يقرر أن القياس الصحيح لا تأتي الشريعة قط بخلافه، ويقول إنه لا يوجد نص يخالف قياسا صحيحا، وإذن، فما رأيه فيما يقول الفقهاء في كثير من الأحكام التشريعية أنها جاءت على خلاف القياس؟

إنه حقا لا يعبأ بالجواب، وعلمه بالسنة ودقة فهمه لنصوص القرآن والسنة التشريعية يبين في دقة صحة ما قال، ونكتفي هنا ببيان ذلك في بضع مسائل نعرف منها أنه سلك السبيل السوي لتأييد ما رآه حقا.

ولكن نرى من الخير قبل تناول هذه المسائل أن نشير إلى أن الأحكام التي يقال عنها إنها جاءت على خلاف القياس نوعان كما يذكر ابن تيمية:

21

نوع لا نزاع بين الفقهاء في حكمه، ونوع تنازعوا فيه:

والنوع الأول:

يتبين أنه على وفق القياس ما دام متفقا عليه، ولكن الخلاف فيه هو هل يقاس عليه أو لا؟ فذهب طائفة من الفقهاء، وحكي هذا عن أصحاب أبي حنيفة، أنه لا يقاس عليه، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يقاس عليه غيره إن تحققت فيه شروط القياس، وهذا هو ما ذكره أصحاب الشافعي وابن حنبل وغيرهما.

وذلك بأنهم قالوا كما يحكي عنهم ابن تيمية نفسه: إنما ينظر إلى شروط القياس، فما علمت علته ألحقنا به ما شاركه في العلة، سواء قيل إنه على خلاف القياس أو لم يقل ... أما إذا لم يقم دليل على أن الفرع كالأصل فهذا لا يجوز فيه القياس، سواء قيل إنه على وفق القياس أو خلافه؛ ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها (أي قياسا) ما كان في معناها.

وحقيقة الأمر أنه لم يشرع شيء على خلاف القياس الصحيح، بل ما قيل إنه على خلاف القياس لا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها واقتضى مفارقته لها في الحكم، وإذا كان كذلك، فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه كحكمه ، وإلا كان من الأمور المفارقة له.

وأما المتنازع فيه فمثل ما يأتي حديث بخلاف أمر (أي مخالف للقياس)، فيقول القائلون هذا بخلاف القياس أو بخلاف قياس الأصول، وهذا له أمثلة من أشهرها المصراة، فإن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: «لا تصروا الإبل ولا الغنم، فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر»، وهو حديث صحيح،

22

فقال قائلون هذا يخالف قياس الأصول من وجوه: منها أنه رد للمبيع بلا عيب ولا خلف في صفة، ومنها أن الخراج بالضمان فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وهنا قد ضمنه، ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال فهو مضمون بمثله، ومنها أن ما لا مثل له يضمن بالقيمة من النقد، وهنا ضمنه بالتمر ...

فقال المتبعون للحديث بل ما ذكرتموه خطأ، والحديث موافق للأصول (فهو لهذا يكون موافقا للقياس الصحيح)، ولو خالفها لكان هو أصلا كما أن غيره أصل، فلا نضرب الأصول بعضها ببعض، بل يجب اتباعها كلها، فإنها كلها من عند الله.

ابن تيمية · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٥٤