لقد عرض ابن القيم - وكان أكبر حفيظ للتراث العلمي لشيخه الأكبر - في الجزء الأول من كتابه «إعلام الموقعين»، مسألة القياس عرضا وافيا، وبين أدلة القائلين به وأدلة الآخرين الذين يرفضونه.
وتكلم عن عدم إحاطة النصوص أو إحاطتها بالحوادث التي تزيد كل يوم، ومعنى هذا الحاجة للقياس أو عدم الحاجة إليه، ولم ينس أن يعرض لمسألة كون أحكام الله معللة -وحينئذ يتأتى القياس - أو غير معللة فلا يكون القياس ممكنا.
وبعد هذه البحوث وأمثالها المتعلقة بالقياس والخلاف الشديد فيه،
16
وبعد أن نقد كلا من الطرفين - الذين غلوا في الأخذ بالقياس، والذين غلوا في رفضه - نقول إنه بعد ذلك كله، ذكر بأن في نصوص الكتاب والسنة بيانا للأحكام الشرعية كلها، والقياس الصحيح مع هذا حق مطابق للنصوص، وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس.
17 •••
هذا، وإذا كان ابن تيمية قد أخذ بالقياس الصحيح، وجعله أصلا من أصول الفقه، فإن هذا يوجب عليه بيان العلة التي بسببها نعطي للفرع حكم الأصل المقيس عليه.
وإذا كان قد رأى أن القياس المعتبر لا بد أن يطابق نصا من النصوص، كان لا بد له من الذهاب إلى اشتمال نصوص الكتاب والسنة على جميع الأحكام الشرعية جملة وتفصيلا.
وإذا كان قد قرر أن هذا القياس الصحيح لا تأتي الشريعة بخلافه قط، كان عليه بيان رأيه فيما يقال عن كثير من الأحكام التشريعية أنها ثبتت على خلاف القياس.
تلك مسائل ثلاث كان لزاما على شيخ الإسلام أن يتناولها بالبحث والبيان، وقد فعل رحمه الله تعالى، ونحن نتكلم عنها على هذا الترتيب:
الأولى:
علة القياس عند الفقهاء الأحناف ومن سلك طريقهم، هي الوصف الظاهر المنضبط المناسب الذي يبنى عليه الحكم الشرعي لأنه مظنته. وقرروا بعد تعريف العلة على هذا النحو أن تدور الأحكام الشرعية مع عللها وجودا وعدما.
ولهذا شرطوا فيها الشروط التي ذكرناها ومنها الانضباط؛
18
لأنها هي التي تعرفنا وجوب إعطاء الفرع حكم الأصل متى وجدت العلة فيه؛ وبذلك تكون تكاليف الله لعباده مستقيمة، وأحكام معاملاتهم متسقة على اختلاف ضروبها، ما دام مناط الأحكام هي عللها على النحو الذي عرفوها به.
ولكن ابن تيمية لا يسير معهم في تعريف العلة على هذا النحو، بل يختلف عنهم على ما نراه في كثير من كلامه وفتاويه، فهي المعنى المشترك بين الأصل والفرع، أو الوصف المعتبر في حكم الله ورسوله، أو الوصف الملائم المناسب الذي استوجب الحكم الشرعي لما فيه من مصلحة، أو الحكمة الحقيقية التي كانت سبب تشريع هذا الحكم.
وهذه العبارات متقاربة المعنى، وكلها تدور حول المصلحة أو الحكمة التشريعية، هذه الحكمة التي لا تخلو من أن تكون جلب منفعة أو دفع مضرة؛ وبذلك يتحقق قصد الشارع من تشريعاته، فإن كل أحكام الشريعة الإسلامية تحقق جلب المنافع ودفع المضار.
والذي يتبادر إلى العقل أن يكون الأمر كما قال ابن تيمية، فتكون العلة التي يبنى الحكم عليها وجودا وعدما هي حكمته؛ لأنها الباعث على تشريعه والغاية المقصودة منه، ولأن لكل حكم شرعي حكمته التي أرادها الله من العمل به.
ولكن هذه الحكمة إن ظهرت لنا وعرفناها في كثير من الأحكام، فقد تكون خافية لا نستطيع التحقق منها وجودا وعدما في كل حال؛ ومن ثم، شرط الأصوليون الآخرون في العلة ألا تكون وصفا ظاهرا مناسبا فقط، بل أن يكون أيضا منضبطا محددا يمكن التحقق من وجوده أو عدمه، ويتضح ذلك بهذا المثال: أباح الله للمسافر والمريض في رمضان الفطر، والعلة هي السفر في الأولى والمرض في الثاني، والحكمة هي دفع المشقة عن كل منهما، والسفر والمرض أمران منضبطان، على حين المشقة أمر تقديري غير منضبط فلا يمكن التحقق منه؛ ولهذا جعلت العلة هنا مجرد السفر أو المرض وإن لم توجد مشقة في هاتين الحالتين.