صلى الله عليه وسلم
من ذهب إليه في حياته، وذلك كما فعل مع معاذ بن جبل حين أراد إرساله إلى اليمن وسأله كيف يقضي إذا عرضت له قضية.
ولأن من الصحابة من عمل بالقياس، نرى ابن تيمية يقول: «وقد روي عن علي وزيد أنهما احتجا بقياس، فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا فقد غلط، ومن ادعى أنه من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا بالرأي والقياس فقد غلط، بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم» إلى آخر ما قال.
11
والقياس المعتبر عند ابن تيمية هو القياس الصحيح دون الفاسد، وهو الذي جاءت به شريعة الله ورسوله، هذه الشريعة التي جمعت في الحكم بين المتماثلين وفرقت بين المختلفين، وذلك إنما يكون بطريق القياس في المتماثلين في العلة دون المختلفين فيها.
ويذكر الشيخ رحمه الله في أول رسالته عن القياس
12
صورتين للقياس الصحيح، وهما: (أ) «أن تكون علة الحكم التشريعي في الأصل موجودة في الفرع، من غير معارض في الفرع يمنع حكمها.» (ب) «القياس بإلغاء الفارق بين الصورتين؛ أي الأصل والفرع؛ أي ألا يكون بينهما فرق مؤثر في الشرع.»
ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، بل إذا جاءت الشريعة في بعض الأمور بحكم يخالف حكم نظائره، «فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره (أي في الحكم)، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر ... فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر.» •••
ولعل ابن تيمية يشير بذلك الكلام إلى مشكلة كبيرة ثارت قبله وبعده، ولا تزال تثور بين الفقهاء حتى اليوم على ما نعتقد، وقد لمسنا نحن هذه المشكلة في كتاب ظهر لنا منذ سنوات.
13
إن النظام ومن تبعه من المعتزلة يقولون بأن من الحق أن العقل يقتضي التسوية في الحكم بين المتماثلات، والتفرقة فيه بين المختلفات، ولو اطرد الأمر كذلك في الشريعة كان القياس أمرا يدعو إليه العقل.
ولكن الشارع نراه يفرق في الحكم بين الأمور المتماثلة،
14
وقد يسوي بين أمور مختلفة،
15
وهذا على خلاف قضية العقل، وإذن لا يكون العقل مجوزا للقياس.
وبعد هؤلاء المتكلمين، نجد ابن حزم المتوفى سنة 456ه يشتد جدا في رفض القياس، اكتفاء بالقرآن والسنة، واستدلالا لمذهبه الظاهري وتقبيحا لمذهب معارضيه، وقد بسط ذلك كله في كتابه «الإحكام»، ورد على خصومه ردودا لم تخل من حدة لسانه وشديد نقده ومرير تهكمه.
إنه يرى أن من قال بالقياس في الشريعة قد تعدى حدود الله وقفا ما لا علم له به، وقال فيها برأيه، ما دام لديه كتاب الله وسنة رسوله وفيهما كل غنية إذا عرفنا كل ما فيهما من الأحكام؛ ولهذا لم يقل صحابي قط بالقياس.
وأما كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري حين بعثه قاضيا إلى اليمن، وكذلك نحوه مما روي عن الصحابة من الآثار التي تفيد الأخذ بالقياس، فقد أنكر هذه الآثار جميعا بالطعن في أسانيدها من ناحية، وبإلزام خصومه؛ إذ خالفوا بعض ما توجبه من ناحية أخرى.
ثم ينتقل ابن حزم في كتابه «الإحكام» خطوة أخرى أبعد مما سار إليه، فيحاول أن يجد من القرآن والسنة نصوصا يدعم بها مذهبه في رفض القياس رفضا باتا شاملا، فيرى هذه النصوص مبطلة للقياس، داعية إلى وجوب رفضه والعمل به في شريعة الله ورسوله، وبخاصة أنه يرى أن القول بالعلل في شيء من الشريعة وأحكامها باطل.
وفي رأينا أنه مهما تكن شدة معارضة ابن حزم، وقوة جدله ولدده في الخصومة، ومهما تكن حجج الذين رفضوا الأخذ بالقياس من الطوائف الأخرى، فإن الحق هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن القياس أصل من أصول الفقه ومصدر من مصادره، مصدر لا يستغني عنه فقيه، ولم ينكره صحابي من قبل، بل أرشد الله إليه في غير موضع من كتابه، كما يقول ابن تيمية وابن القيم.