وعلى هذا فالقنوت الذي يعم المخلوقات أنواع
أحدها طاعة كل شيء لمشيئته وقدرته وخلقه فإنه لا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته وملكه بل هو مدبر معبد مربوب مقهور ولو تخيل إليه في نفسه أنه لا رب له وأنه يقدر أن يخرج عن ملك الرب فهذا من جنس ما يتخيل للسكران والنائم المأسور المقهور والمجنون المربوط بالأقياد والسلاسل بل نفوذ مشيئته الرب وقدرته في المستكبرين عن عبادته أعظم من فوذ أمر الآسر في أسيره والسيد في مملوكه وقيم المارستان في المجنون بكثير كثير
وهذا متوجه على قول أهل السنة الذين يقولون لا يكون في ملكه إلا ما يشاء فليس لأحد خروج عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور بخلاف قول القدرية فإن العصاة على قولهم خرجوا عن مشيئة وقدرته وحكمه وسلطانه وخلقه فليسوا قانتين لا لأمره الشرعي ولا لأمره القدري الكوني وأما أهل السنة فيقولون إنهم قانتون لمشيئته وحكمه وأمره الكوني كما تقدم
وعلى هذا الوجه فالقانت قد لا يشعر بقنوته فإن المراد بقنوته كونه مدبرا مصرفا تحت مشيئة الرب من غير امتناع منه بوجه من الوجوه وهذا شامل للجمادات والحيوانات وكل شيء قال تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها سورة هود 56 وقال تعالى فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون سورة يس 83
النوع الثاني من القنوت هو ما يشعر به القانت وهو اعترافهم كلهم بأنهم مخلوقون مربوبون وأنه ربهم كما تقدم
الثالث أنهم يضطرون إليه وقت حوائجهم فيسألونه ويخضعون له وإن كانوا إذا أجابهم أعرضوا عنه قال الله تعالى وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه