عن كتاب الله تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، الذين عقدوا ألوية البدعة ، وأطلقوا عنان الفتنة ، فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب مجتمعون على مفارقة الكتاب ، يقولون على الله ، وفي الله وفي كتاب الله بغير علم ، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ، وذلك مثل قولهم : ليس بمتحيز ولا في جهة ولا كذا ولا كذا فإن هذه ألفاظ مجملة متشابهة ، يمكن تفسيرها بوجه حق ويمكن تفسيرها بوجه باطل ، فالمطلقون لها يوهمون عامة المسلمين أن مقصودهم تنزيه الله عن أن يكون محصورا في بعض المخلوقات ، ويفترون الكذب على أهل الإثبات أنهم يقولون ذلك ، كقول بعض قضاتهم لبعض الأمراء : أنهم يقولون : إن الله في هذه الزاوية ، وقول آخر من طواغيتهم : أنهم يقولون : إن الله في حشو السموات ، ولهذ سموا حشوية إلى أمثال هذه الأكاذيب التي يفترونها على أهل الاثبات ، ثم يأتون بلفظ مجمل متشابه يصلح لنفي هذا المعنى الباطل ، ولنفي ما هو حق فيطلقونه فيخدعون بذلك جهال الناس ، فإذا وقع الاستفصال والاستفسار ، انكشفت الأسرار ، وتبين الليل من النهار ، وتميز أهل الإيمان واليقين من أهل النفاق المدلسين ، الذين لبسوا الحق بالباطل ، وكتموا الحق وهم يعلمون فالمقصود أن قائل هذا القول إن لم يرد به نفي علو الله على عرشه ، وأنه فوق خلقه : لم ينازع في المعنى الذي أراده ، لكن لفظه ليس بدال على ذلك ، بل هو مفهم أو موهم لنفي ذلك ، فعليه أن يقول : لست أقصد بنفي الجهة والتحيز نفي أن يكون الله فوق عرشه وفوق خلقه ، وحينئذ يوافقه أهل الإثبات على نفي الجهة والتحيز بهذا التفسير بعد استفصاله وتقييد كلامه بما يزيل الالتباس ، وأما إن تضمن هذا الكلام أن الله ليس على العرش ولا فوق العالم ، فليصرح بذلك تصريحا بينا حتى يفهم المؤمنون قوله وكلامه ويعلموا مقصوده ومرامه ، فإذا
الفتاوى الكبرى · الجزء ٥ · الصفحة ٣٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٥ · ص ٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي