وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ^ الأنعام : 136 ، 137 ] ، وقالوا : ^ هذه أنعام وحرث حجر ^ الأنعام : 138 ] ، فذكر ما ابتدعوه من العبادات والتحريمات ، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قال الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ننزل به سلطانا . وهذه قاعدة عظيمة نافعة ، وإذا كان كذلك فنقول : البيع والهبة والإجارة وغيرها ، هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم ، كالأكل ، والشرب ، واللباس ، فالشريعة جاءت في العادات بالآداب الحسنة ، فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت منها ما لا بد منه ، وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها ، وإذا كان كذلك فالناس يتبايعون ويتآجرون كيف شاؤوا ما لم تحرمه الشريعة كما يأكلون ويشربون كيف شاؤوا ما لم تحرمه الشريعة ، وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروها ، ولم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي ، وأما السنة والإجماع فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من أنواع المبايعات والمؤجرات والتبرعات ، علم ضرورة أنهم لم يكونوا ملتزمون الصيغة من الطرفين ، والآثار بذلك كثيرة ليس هذا موضعها ، إذا الغرض التنبيه على القواعد ، وإلا فالكلام في أعيان المسائل له موضع غير هذا ، فمن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مسجده ، والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته ، ولم يؤمر أحد أن يقول : وقفت هذا المسجد ولا ما يشبه هذا اللفظ بل قال النبي صلى الله عليه وسلم : من بنى لله مسجدا بنى الله بيتا في الجنة ، فعلق الحكم بنفس بنائه ، وفي الصحيحين أنه لما اشترى الجمل من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، قال : هو لك يا عبد الله بن عمر ، ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبول ، وكان يهدي ويهدى له فيكون قبض الهدية قبولها ، ولما نحر البدنات قال : من شاء اقتطع ، مع إمكان قسمتها فكان هذا إيجابا ، وكان الاقتطاع هو القبول ، وكان يسأل فيعطي ، أو يعطى من غير سؤال فيقبض المعطي ، ويكون الإعطاء هو الإيجاب ، والأخذ هو القبول في قضايا كثيرة جدا ، ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ ، ولا يلتزم أن يتلفظ لهم كما في
الفتاوى الكبرى · الجزء ٣ · الصفحة ٤١٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٣ · ص ٤١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي