تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نظفر لأحد من أهل الكوفة المتقدمين ، بل ولا لأحد من أئمة سائر أهل الأمصار من أهل المدينة ، ومكة ، والشام ، والبصرة من الصحابة ، والتابعين في مسائل الحيل إلا النهي عنها والتغليظ فيها ، فلما حدث من بعض مفتيهم القول بالحيل والدلالة عليها انطلقت الألسنة بالذم لمن أحدث ذلك ، وظهر تأويل الآثار في هذا الضرب . ومما يدل على هذا : ما ذكره الإمام إسحاق بن راهويه ذكر حديث عبد الله بن مسعود : كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ، ويربو فيها الصغير ويجري الناس عليها فيتخذونها سنة قال إسحق : قال ابن مهدي ونظراؤه من أهل العلم : إن هذه الفتنة لفتنة يعني أهل هذا الرأي ، لا شك في ذلك لأنه لم يكن فيما مضى فتنة جرى الناس عليها ، فاتخذوها سنة حتى ربا الصغير وهرم الكبير إلا فتنة هؤلاء ، وهي علامتهم إذا كثر القراء وقل العلماء وتفقه لغير الدين ، وقوله : أحلوا الحرام وحرموا الحلال مطابق للواقع ، فإن الاحتيال على إسقاط الحقوق مثل حق الشفيع ، وحق الرجل في امرأته ، وغير ذلك إذا احتيل عليها حرمت على الرجل ما أحل الله له ، وكثير من الرأي ضيق ما وسعته السنة فاحتاج صاحبه إلى أن يحتال للتوسعة ، مثل : انتفاع المرتهن بالظهر والدار إذا أنفق بقدر ما انتفع ، ومثل باب المساقاة والمزارعة فإن من اعتقد تحريم هذا خالف السنة الثابتة ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون وغيرهم ، وما عليه عمل المسلمين من عهد نبيهم إلى يومهم ، اضطره الحال إلى نوع من الحيل يستحل بها ذلك ، ثم إنه لو لم يكن بها سنة لكان إلحاقها بالمضاربة ، لأنها بها أشبه وأولى من إلحاقها بالإجارة ، لأنها منها أبعد ، ومما يبين ذلك : أن الرأي كان واقعا عندهم على ما يتضمن الحيل أن بشر بن السري وهو من العلماء الثقات المتقدمين أدرك العصر الذي اشتهر فيه الرأي ، وهو ممن أخذ عنه الإمام أحمد وطبقته قال : نظرت في العلم فإذا هو الحديث والرأي فوجدت في الحديث ذكر النبيين والمرسلين ، وذكر الموت وذكر ربوبية الرب وجلاله وعظمته وذكر الجنة والنار والحلال والحرام ، والحث على صلة الأرحام وجماع الخير ، ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والخديعة والتشاح واستقصاء الحق والمماكسة

الفتاوى الكبرى · الجزء ٣ · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٣ · ص ٢٣٢