تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزيء والانقسام ، بل قد يكون الرجل مجتهدا في فن ، أو باب ، أو مسألة دون فن ، وباب ، ومسألة ، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه فمن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين : إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه ، ومثل هذا ليس بحجة شرعية ، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره اشتغاله على مذهب إمام آخر ، وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه ، وحينئذ فتكون موافقة لإمام يقاوم ذلك الإمام ، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل ، فهذا هو الذي يصلح ، وإنما تنزلنا هذا التنازل لأنه قد يقال : إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاد قائما في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه . أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النص فهذا يجب عله إتباع النصوص ، وإن لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الأنفس ، وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله بخلاف من قد يقول : قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها فهذا يقال له : قد قال الله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم التغابن : 16 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك ، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل ، إذا تغير اجتهاده ، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه ، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه ، وترك القول الذي توضحت حجته ، أو الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة وإتباع هوى فهذا مذموم ، وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه ، لا سيما إذا كان قد رواه أيضا فمثل هذا وحده لا يكون عذرا في ترك النص فقد بينا فيما كتبناه في رفع الملام عن الأئمة الأعلام نحو عشرين عذرا للأئمة في ترك العمل لبعض الحديث ، وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار ، وأما نحن فمعذورون في تركنا لهذا القول .

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٤٥٩