تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متردد بين الجنون والإلحاد ، وكل المشائخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات ، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ، وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث ، وتمييز الخالق عن المخلوق ، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا ، وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الأمراض والشبهات ، وأن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسماوات لعدم التمييز والفرقان في قلبه ، بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء ، وهم قد يتكلمون في الفرق والجمع ، ويدخل في ذلك من العبارات المتلفة نظير ما دخل في الفناء فإن العبد إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متعلقا بها ، متشتتا ناظرا إليها متعلقا بها إما محبة وإما خوفا وإما رجاء فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين ، فصارت محبته لربه وخوفه من ربه ورجاؤه لربه واستعانته بربه ، وهو في هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق فقد يكون مجتمعا على الحق معرضا عن الخلق نظرا وقصدا ، وهو نظير النوع الثاني من الفناء . ولكن بعد ذلك الفرق الثاني وهو : أن يشهد أن المخلوقات قائمة ب الله مدبرة بأمره ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه وتعالى ، وأنه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها فيكون مع اجتماع قلبه على الله - إخلاصا له ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة فيه ومعاداة فيه وأمثال ذلك - ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق مميزا بين هذا وهذا ، يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه ، وخالقه ، وأنه هو الله لا إله إلا هو ، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم ، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته : في حال القلب

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٤٠٤