إلا من أتى الله بقلب سليم ^ الشعراء : 89 ] . قالوا : هو السليم مما سوى الله ، أو مما سوى عبادة الله . أو مما سوى إرادة الله . أو مما سوى محبة الله فالمعنى واحد وهذا المعنى إن سمي فناء ، أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره ، وباطن الدين وظاهره . وأما النوع الثاني : فهو الفناء عن شهود السوى ، وهذا يحصل لكثير من السالكين فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته ، وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد ، وترى غير ما تقصد ، لا يخطر بقلوبهم غير الله ، بل ولا يشعرون ، كما قيل في قوله : ^ وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ^ القصص : 10 ] قالوا : فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى ، وهذا كثير يعرض لمن فقه أمر من الأمور إما حب وإما خوف ، وإما رجاء يبقى قلبه منصرفا عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه ، بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده ، وبمشهوده عن شهوده ، وبمذكوره عن ذكره ، وبمعروفه عن معرفته ، حتى يفنى من لم يكن وهي المخلوقات المعبدة ممن سواه ، ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى ، والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره ، وفناؤه عن أن يدركهما أو يشهدها ، وإذا قوي هذا ضعف المحب حتى اضطرب في تمييزه فقد يظن أنه هو محبوبه ، كما يذك الجواب أن رجلا ألقى نفسه في اليم فألقى محبه نفسه خلفه فقال : أنا وقعت فما أوقعك خلفي ، قال : غبت بك عني وظننت أنك آتي ، و هذا الوضع يزل فيه اقوام وظنوا أنه اتحاد ، وإن الحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما ، وهذا غلط فإن الخالق لا يتحد به شيء أصلا ، بل لا يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا وفسدا وحصل من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا ولا هذا ، كما إذا اتحد الماء واللبن ، والماء والخمر ، ونحو ذلك ، ولكن يتحد المراد والمحبوب والمكروه ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة فيحب هذا ما يحب هذا ، ويبغض هذا مايبغض هذا ، ويرضى مايرضى ويسخط ما يسخط ويكره ما يكره ، ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي ، وهذا الفناء كله فيه نقص . وأكابر الأولياء كأبي بكر ، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصا الجواب
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٤٠١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي