أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له ، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة المشركين المتبعين أهواءهم ، قال تعالى في إبراهيم : ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين الانبياء : 72 - 73 ] ، وقال في فرعون وقومه : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين القصص : 42 ] ، ولهذا يصير اتباع فرعون أولا إلى أن لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه ، وبين ما قدر الله وقضاه ، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة ، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق ، بل يجعلون وجود هذا وجود هذا ، ويقول محققوهم : الشريعة فيها طاعة ومعصية ، والحقيقة فيها معصية بلا طاعة ، والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية ، وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي ، وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء والأنبياء فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية ، وأن العبد كلما ازداد تحقيقا ازدادت محبته & وعبوديته له وطاعته له ، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره ، وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه ، والخليل يقول : أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الشعراء : 75 - 77 ] ، ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشائخ كما فعلت النصارى . مثال ذلك اسم الفناء فإن الفناء ثلاثة أنواع : نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء ، ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين ، ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين . فأما الأول : فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله بحيث لا يحب إلا الله ، ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يطلب غيره ، وهو المعنى الذي يجب أن يقصده بقول الشيخ أبي يزيد حيث قال : أريد أن لا أريد إلا ما يريد أي : المراد المحبوب المرضي ، وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال العبد أن لا يريد ، ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه ، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب ، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين ، وهذا معنى قولهم في قوله : ^
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٤٠٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي