تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليطيعوه ، ويعينوه فهو في الظاهر رئيس مطاع ، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم ، والتحقيق أن كلاهما فيه عبودية للآخر ، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله ، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه يستعبده الآخر ، وهكذا أيضا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه . وهذه الأمور نوعان : منها : ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه ، وشرابه ، ومسكنه ، ومنكحه ، ونحو ذلك فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه ، وبساطه الذي يجلس عليه ، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده فيكون هلوعا إن مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا . ومنها : ما لا يحتاج العبد إليه فهذه لا ينبغي له أن يتعلق قلبه بها فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها ، وربما صار معتمدا على غير الله فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله ، ولا حقيقة التوكل عليه ، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله ، وشعبة من التوكل على غير الله ، وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، تعس عبد القطيفة ، تعس عبد الخميصة ، وهذا هو عبد هذه الأمور فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي ، وإذا منعه إياها سخط ، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ، ويسخطه ما يسخط الله ، ويحب ما أحبه الله ورسوله ، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ، ويوالي الله ويعادي أعداء الله تعالى ، وهذا هو الذي استكمل الإيمان . كما في الحديث : من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله : فقد استكمل الإيمان ، وقال : أوثق عرى الإيمان : الحب في الله ، والبغض في الله ، وفي الصحيح : عنه صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار فهذا وافق ربه فيما يحبه ، وما يكرهه فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأحب المخلوق & لا لغرض آخر فكان هذا من تمام حبه لله فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٨٤