أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله ، وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين ، إما أن يبتدعوا ، وإما أن يحتجوا بالقدر ، وإما أن يجمعوا بين الأمرين ، كما قال تعالى عن المشركين : ^ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ^ الأعراف : 28 ] ، وكما قال تعالى عنهم : ^ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ^ الأنعام : 148 ] . وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام ، والعبادة التي لم يشرعها الله بمثل قوله تعالى : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه الأنعام : 138 ] إلى آخر السورة ، وكذلك في سورة الأعراف في قوله : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة الاعراف : 27 ] إلى قوله : ^ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ^ الاعراف : 28 ] إلى قوله : قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد الاعراف : 29 ] إلى قوله : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الاعراف : 31 - 32 ] إلى قوله : ^ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ب الله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ^ الاعراف : 33 ] ، وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع حقيقة ، كما يسمون ما يشهدون من القدر حقيقة ، وطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه ، ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك . وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا ، بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم ، وجعلهم لما يرونه ويهوونه حقيقة ، وأمرهم باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله ، نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم ، الذين يجعلون ما ابتدعوه
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٧٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي