إيمانه ، ولهذا قال بعض السلف : يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك ، وقال بعض الشيوخ : إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي ، خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك ، لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضى انصرفت ، وفي بعض الإسرائيليات : يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك ، وهذا المعنى كثير ، وهو موجود مذوق محسوس بالحس الباطن للمؤمن ، وما من مؤمن إلا وقد وجد من ذلك ما يعرف به ما ذكرناه فإن ذلك من باب الذوق والحس لا يعرفه إلا من كان له ذوق وحس بذلك ، ولفظ الذوق وإن كان قد يظن أنه في الأصل مختص بذوق اللسان فاستعماله في الكتاب والسنة يدل على أنه أعم من ذلك مستعمل في الإحساس بالملائم والمنافر ، كما أن لفظ الإحساس في عرف الاستعمال عام فيما يحس بالحواس الخمس ، بل وبالباطن . وأما في اللغة فأصله الرؤيا كما قال : هل تحس منهم من أحد مريم : 98 ] ، والمقصود لفظ الذوق قال تعالى : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف النمل : 112 ] فجعل الخوف والجوع مذوقا ، وأضاف إليهما اللباس ليشعر أنه لبس الجائع والخائف فشمله وأحاط به إحاطة اللباس باللباس ، بخلاف من كان الألم لا يستوعب مشاعره بل يختص ببعض المواضع . وقال تعالى : فذوقوا العذاب آل عمران : 106 ] ، وقال تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم الدخان : 49 ] ، وقال تعالى : ذوقوا مس سقر القم الجواب 48 ] ، وقال : لا يذوقون فيها الموت الدخان : 56 ] ، وقال تعالى : لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا النبأ : 24 - 25 ] ، وقال : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر السجدة : 21 ] ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ذاق طعم الإيمان من رضي ب الله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فاستعمال لفظ الذوق في إدراك الملائم والمنافر كثير . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، كما تقدم ذكر الحديث ، فوجود المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه وذوق طعم الإيمان أمر يعرفه من حصل له هذا الوجد ،
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٦٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي