زالت عقوبته فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب . ومن الناس من يقول الغفر الستر ، ويقول : إنما سمي المغفرة والغفار لما فيه من معنى الستر ، وتفسير اسم الله الغفار بأنه الستار ، وهذا تقصير في معنى الغفر فإن المغفرة معناها وقاية شر الذنب بحيث لا يعاقب على الذنب ، فمن غفر ذنبه لم يعاقب عليه ، وأما مجرد ستره فقد يعاقب عليه في الباطن ، ومن عوقب على الذنب باطنا أو ظاهرا فلم يغفر له ، وإنما يكون غفران الذنب إذا لم يعاقب عليه العقوبة المستحقة بالذنب ، وأما إذا ابتلي مع ذلك بما يكون سببا في حقه لزيادة أجره فهذا لا ينافي المغفرة ، وكذلك إذا كان من تمام التوبة أن يأتي بحسنات يفعلها فإن من يشترط في التوبة من تمام التوبة ، وقد يظن الظان أنه تائب ولا يكون تائبا بل يكون تاركا ، والتارك غير التائب فإنه قد يعرض عن الذنب لعدم خطوره بباله أو المقتضى لعجزه عنه ، أو تنتفي إرادته له بسبب غير ديني ، وهذا ليس بتوبة ، بل لا بد من أن يعتقد أنه سيئة ويكره فعله لنهي الله عنه ويدعه & تعالى ، لا لرغبة مخلوق ولا لرهبة مخلوق فإن التوبة من أعظم الحسنات ، والحسنات كلها يشترط فيها الإخلاص & وموافقة أمره ، كما قال الفضيل بن عياض في قوله : ليبلوكم أيكم أحسن عملا الملك : 2 ] قال : أخلصه وأصوبه ، قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا ، والخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنة ، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في دعائه : اللهم اجعل عملي كله صالحا ، واجعله لوجهك خالصا ، ولا تجعل لأحد فيه شيئا ، وبسط الكلام في التوبة له موضع آخر . وأما الاعتراف بالذنب على وجه الخضوع & من غير إقلاع عنه ، فهذا في نفس الاستغفار المجرد الذي لا توبة معه ، وهو كالذي يسأل الله تعالى أن يغفر له الذنب مع كونه لم يتب منه ، وهذا يأس من رحمة الله ، ولا يقطع بالمغفرة له فإنه داع دعوة مجردة ، وقد ثبت في الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ، إلا كان بين إحدى
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٥١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي