تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على الغنى والصحة والأمن ممن لم يذق ذلك ، ولهذا يقال : والضد يظهر حسنه الضد ، ويقال : وبضدها تتبين الأشياء ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : لست بخب ولا يخدعني الخب فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر ، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به ، وليس المراد أن كل من ذاق طعم الكفر والمعاصي يكون أعلم بذلك وأكره له ممن لم يذقه مطلقا فإن هذا ليس بمطرد ، بل قد يكون الطبيب أعلم بالأمراض من المرضى ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أطباء الأديان فهم أعلم الناس بما يصلح القلوب ويفسدها ، وإن كان أحدهم لم يذق من الشر ما ذاقه الناس . ولكن المراد أن من الناس من يحصل له بذوقه الشر من المعرفة به ، والنفور عنه ، والمحبة للخير إذا ذاقه ما لا يحصل لبعض الناس ، مثل من كان مشركا أو يهوديا أو نصرانيا ، وقد عرف ما في الكفر من الشبهات والأقوال الفاسدة والظلمة والشر ، ثم شرح الله صدره للإسلام ، وعرفه محاسن الإسلام فإنه قد يكون أرغب فيه ، وأكره للكفر من بعض من لم يعرف حقيقة الكفر والإسلام ، بل هو معرض عن بعض حقيقة هذا وحقيقة هذا ، أو مقلد في مدح هذا وذم هذا ، ومثال ذلك من ذاق طعم الجوع ثم ذاق طعم الشبع بعده ، أو ذاق المرض ثم ذاق طعم العافية بعده ، أو ذاق الخوف ثم ذاق الأمن بعده فإن محبة هذا ورغبته في العافية والأمن والشبع ونفوره من الجوع والخوف والمرض أعظم ممن لم يبتل بذلك ولم يعرف حقيقته ، وكذلك من دخل مع أهل البدع والفجور ، ثم بين الله له الحق وتاب عليه توبة نصوحا ، ورزقه الجهاد في سبيل الله فقد يكون بيانه لحالهم ، وهجره لمساويهم ، وجهاده لهم أعظم من غيره . قال نعيم بن حماد الخزاعي - وكان شديدا على الجهمية - : أنا شديد عليهم ، لأني كنت معهم ، وقد قال الله تعالى : للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم النمل : 110 ] نزلت هذه الآية في طائفة من الصحابة كان المشركون فتنوهم عن دينهم ثم تاب الله عليهم فهاجروا إلى الله ورسوله ، وجاهدوا وصبروا ، وكان عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما من أشد الناس على الإسلام : فلما أسلما

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٤٢