المخابرة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في معنى المزابنة ، لأن المقصود بيع الشيء بجنسه جزافا ، والصحيح قول الجمهور لأن المستحق بعقد الإجارة هو الانتفاع بالارض ، ولهذا إذا تمكن من الزرع ولم يزرع وجبت عليه الأجرة ، والطعام إنما يحصل بعمله وبذره ، وبذره لم يعطه إياه المؤجر فليس هذا من الربا في شيء - ونظير هذا أن يستأجر قوما ليستخرجوا له معدن الذهب ، أو فضة ، أو ركازا من الأرض بدراهم أو دنانير فليس هذا كبيع الدراهم بدراهم ، وكذلك من استأجر من يشق الأرض ويبذر فيها ويسقيها بطعام من عنده ، وقد استأجره على أن يبذر له طعاما فهذا مثل ذلك ، والمخابرة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم قد فسرها رافع راوي الحديث بأنها المزارعة التي يشترط فيها لرب الأرض زرع بقعة بعينها ، ولكن من العلماء من جعل المزارعة كلها من المخابرة كأبي حنيفة ، ومنهم من قال : المزارعة على الأرض البيضاء من المخابرة كالشافعي . ومنهم من قال : المزارعة على أن يكون البذر من العامل من المخابرة ، ومنهم من قال : كراء الأرض بجنس الخارج منها من المخابرة كمالك ، والصحيح أن المخابرة المنهى عنها كما فسرها به رافع بن خديج ، وكذلك قال الليث بن سعد : الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء إذا نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه محرم ، وهذا مذهب عامة فقهاء الحديث كأحمد ، وإسحاق وابن المنذر ، وابن خزيمة ، وغيرهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم حرم أشياء داخلة فيما حرمه الله في كتابه فإن الله حرم في كتابه الربا والميسر ، وحرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الغرر فإنه من نوع الميسر ، وكذلك بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، وبيع حبل الحبلة ، وحرم صلى الله عليه وسلم بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ، وغير ذلك مما يدخل في الربا فصار بعض أهل العلم يظنون أنه دخل في العام أو علته العامة أشياء ، وهي غير داخلة في ذلك كما أدخل بعضهم ضمان البساتين حولا كاملا أو أحوالا لمن يسقيها ويخدمها حتى تثمر فظنوا أن هذا من باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها فحرموه ، وإنما هذا من باب الإجارة كإجارة الأرض ، فلما نهى عن بيع الحب حتى يشتد ، وجوز إجارة الأرض لمن يعمل عليها حتى تنبت ، وكذلك نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولم ينه أن تضمن لمن يخدمها حتى تثمر ، ويحصل الثمر بخدمته على ملكه ، وبائع الثمر ، والزرع عليه سقيه إلى كمال صلاحه خلاف المؤجر فإنه ليس يسقي ما للمستأجر من ثمر وزرع بل سقي ذلك على الضامن المستأجر ، وعمر بن الخطاب ضمن حديقة أسيد بن الحضير ثلاث سنين ، وتسلف كراءها فوفى به دينا كان عليه ، ونظائر هذا الباب كثيرة . ( فصل ) وأما العشر فهو عند جمهور العلماء : كمالك ، والشافعي ، وأحمد
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٢٤٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي