في ذلك من حصول المفسدة وترك المنفعة ، ومن المعلوم أن هذه الملاعب تشتهيها النفوس ، وإذا قويت الرغبة فيها أو دخل فيها العوض كما جرت به العادة ، وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك ، لو لم يكن فيه مصلحة راجحة ، وهذا بخلاف المغالبات التي قد تنفع مثل : المسابقة ، والمصارعة ، ونحو ذلك فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان فلم ينه عنها لأجل ذلك ولم تجر عادة النفوس بالاكتساب بها ، وهذا المعنى نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه فإن الغامس يده في ذلك يدعو إلى أكل الخنزير ، وذلك مقدمة أكله وسببه وداعيته فإذا حرم ذلك فكذلك اللعب الذي هو مقدمة أكل بالباطل وسببه وداعيته ، وبهذا يتبين ما ذكر العلماء من أن المغالبات ثلاثة أنواع فما كان معينا على ما أمر الله به كما في قوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل الأنفال : 60 ] جاز بجعل وبغير جعل . وما كان مفضيا إلى ما نهى الله عنه : كالنرد ، والشطرنج فمنهي عنه بجعل وبغير جعل ، وما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة راجحة كالمسابقة والمصارعة جاز بلا جعل . الوجه الثالث : أن يقال ق - ول القائل - أن الميسر إنما حرم لمجرد المقامرة دعوى مجردة ، وظاهر القرآن ، والسنة ، والاعتبار يدل على فسادها ، وذلك أن الله تعالى قال : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة المائدة : 91 ] فنبه على علة التحريم وهي ما في ذلك من حصول المفسدة ، وزوال المصلحة الواجبة والمستحبة فإن وقوع العداوة والبغضاء من أعظم الفساد ، وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة اللذين كل منهما إما واجب ، وإما مستحب من أعظم الفساد ، ومن المعلوم أن هذا يحصل في اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما ، وإن يكن فيه عوض ، وهو في الشطرنج أقوى فإن أحدهم يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما فعل خصمه ، وفيما يريد أن يفعل هو ، وفي لوازم ذلك
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ١٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي