تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الشافعي فعمدته حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المزابنة التمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم فيه وقوله فيها يأكلها أهلها رطبا

والعرية عندهم هي اسم لما دون الخمسة الأوسق من التمر وذلك أنه لما كان العرف عندهم أن يهب الرجل في الغالب من نخلاته هذا القدر فما دونه خص هذا القدر الذي جاءت فيه الرخصة باسم الهبة لموافقته في القدر للهبة وقد احتج لمذهبه بما رواه بإسناد منقطع عن محمود بن لبيد أنه قال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أما زيد بن ثابت وإما غيره ما عراياكم هذه قال فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب أتى وليس بأيديهم نقد يبتاعون به الرطب فيأكلونه مع الناس وعندهم فضل من قوتهم من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم يأكلونها رطبا وإنما لم يجز تأخير نقد التمر لأنه بيع الطعام بالطعام نسيئة

وأما أحمد فحجته ظاهر الأحاديث المتقدمة أنه رخص في العرايا ولم يخص المعري من غيره

وأما أبو حنيفة فلما لم تجز عنده المزابنة وكانت إن جعلت بيعا نوعا من المزابنة رأى أن انصرافها إلى المعري ليس هو من باب البيع وإنما هو من باب رجوع الواهب فيما وهب بإعطاء خرصها تمرا أو تسميته إياها بيعا عنده مجاز وقد التفت إلى هذا المعنى مالك في بعض الروايات عنه فلم يجز بيعها بالدراهم ولا بشيء من الأشياء سوى الخرص وإن كان المشهور عنه جواز ذلك وقد قيل إن قول أبي حنيفة هذا هو من باب تغليب القياس على الحديث وذلك أنه خالف الأحاديث في مواضع منها أنه لم يسمها بيعا وقد نص الشارع على تسميتها بيعا

ومنها أنه جاء في الحديث أنه نهى عن المزابنة ورخص في العرايا وعلى مذهبه لا تكون العرية استثناء من المزابنة لأن المزابنة هي في البيع

والعجب منه أنه سهل عليه أن يستثنيها من النهي عن الرجوع في الهبة التي لم يقع فيها الاستثناء بنص الشرع وعسر عليه أن يستثنيها مما استثنى منه الشارع وهي المزابنة والله أعلم

بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما

| كتاب الإجارات

والنظر في هذا الكتاب شبيه بالنظر في البيوع أعني أن أصوله تنحصر بالنظر في أنواعها وفي شروط الصحة فيها والفساد وفي أحكامها وذلك في نوع نوع منها أعني فيما يخص نوعا نوعا منها وفيما يعم أكثر من واحد منها فهذا الكتاب ينقسم أولا إلى قسمين القسم الأول في أنواعها وشروط الصحة والفساد

والثاني في معرفة أحكام الإجارات وهذا كله بعد قيام الدليل على جوازها

فلنذكر أولا ما في ذلك من الخلاف ثم نصير إلى ذكر ما في ذينك القسمين من المسائل المشهورة

إذ كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي تجري من هذه الأشياء مجرى الأمهات وهي التي اشتهر فيها الخلاف بين فقهاء الأمصار فنقول إن الإجارة جائزة عند

بداية المجتهد · الجزء ٢ · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بداية المجتهدج ٢ · ص ١٦٥