تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي فتوى أخرى له في هذه الناحية أيضا يقول: «إن الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة، ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان.» وانتهى أخيرا بأن أكد أن الواجب على السلطان أن «يعرض من ظهر منه اعتقاد الفلاسفة على السيف أو الإسلام؛ لتخمد نارهم، وتمحى آثارهم!»

وقد بلغ من عنف أثر هذه الفتوى ومن قوة سلطان صاحبها، أن الإمام السيوطي جلال الدين، كما يذكر في مقدمة كتابه «طبقات المفسرين»، مال في مبادئ الطلب إلى علم المنطق، ثم تركه حين علم أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه!

وأخيرا، نجد طاش كبرى زاده، المتوفى عام 962ه، يذكر في كتابه «مفتاح السعادة»، أنه لا يصح أن نطلق اسم العلم على «الحكمة المموهة التي اخترعها الفارابي وابن سينا.» كما يرى أن حكماء الإسلام أعداء الله وأنبيائه ورسله، وأن الاشتغال بحكمتهم حرام في شريعتنا، وأن هؤلاء الفلاسفة أضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى؛ لأنهم يتسترون بزي أهل الإسلام.

ليس من العجيب، والحال كما نرى، ألا يكون لابن رشد وأمثاله ممن تقدمه من فلاسفة الإسلام أثر طيب في العالم الإسلامي، وألا ينجحوا في رسالتهم التي عملوا على الاضطلاع بها، وأنفقوا حياتهم في سبيل الوصول إليها، إنما كان يكون عجيبا حقا لو أن كان لهم هذا الأثر الطيب المحمود، ولو أنهم نجحوا فيما أرادوه!

هذا، وكما كان ذلك العداء أو تلك الخصومة بين رجال الدين والفلسفة في تلك العصور شرا على الدراسات الفلسفية، كذلك كانت شرا على الدين.

لقد صغر هذا الخلاف العنيف بين الفريقين هوة ظلت فاصلة بينهما دهرا طويلا، وأساء كل من المعسكرين بالآخر الظنون، فرمى رجال الدين الفلاسفة بالإلحاد والكفر، وناصبوهم العداء، وجازاهم هؤلاء شرا بشر، فرموهم بالجهل والجمود وعدم الفهم للدين!

وكان من نتائج تلك الخصومة الحادة أن حرم الدين الانتفاع بجهود كثير من أبنائه المفكرين، وأن تحامى العامة وأشباه العامة الفلاسفة في كثير من الأحيان، فغدا بعض هؤلاء غريبا أو كالغريب في بيئته، وغدا الفكر الحر عديم النصراء، فأخذ في الانكماش شيئا فشيئا في عجلة تارة، وفي ريث أخرى، وأخلي الطريق للجهل والتقليد في عصور الانحطاط!

وفي الحق، لقد أكرهت عوامل مختلفة الفكر الحر على إخلاء الطريق للتقليد، وصارت الفلسفة في خدمة علم الكلام تسير في ركابه؛ للتدليل على العقائد الدينية، وللرد على الخصوم والمخالفين، كما أصبح طابع مؤلفات تلك العصور هو الاختصار والشرح والتحشية والتعليق، بدل الاستقلال والابتكار.

وقد ظل الحال كذلك تقريبا إلى هذا العصر الذي نعيش فيه، هذا العصر الذي أخذت فيه الدراسات الفلسفية في الحياة بعد أن طال بها الركود المميت؛ وذلك بفضل السيد جمال الدين الأفغاني ومدرسته في مصر، وفضل التفات الجامعة والأزهر لها التفاتة طيبة، نرجو منها المزيد ليكون لها ما نرجوه من ثمرات.

| كلمة أخيرة

وبعد؛ فها هو ذا ابن رشد في أسرته ونفسه وخلقه وعلمه وفلسفته، بل ها هو ذا عصر ابن رشد يتمثل فيه بما وعى من علم وفلسفة وصراع بين التقليد والحرية في الرأي، ونضال عن الحقيقة التي يراها الفيلسوف ضد من يحاولون طمسها مكتفين بما كان يعتقد الآباء والأجداد، بل ذلك صفحة من تاريخ التفكير الإسلامي القوي الذي عرفت له أوروبا قدره، فأحلته المكانة العليا، ووجدت فيه نورا تهتدي به.

وكنا نود أن نعثر لابن رشد القاضي على بعض الواقعات التي عرضت له فأصدر فيها حكمه، لنعرف كيف كان قضاؤه ومبلغ الاستقلال فيه. كنا نود هذا، ولكنا لم نظفر به مع الرغبة القوية في البحث، والاستقصاء في المراجع وشدة التنقيب.

ابن رشد الفيلسوف · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن رشد الفيلسوفص ٣٣