تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا احتضن اليهود في الأندلس الفلسفة الإسلامية، وأقبلوا على دراستها، فانتفعوا بها أيما انتفاع، حتى إن رينان يقول في ذلك بحق: «إن كل الثقافة الأدبية والعلمية لليهود في العصور الوسطى إن هي إلا انعكاس الثقافة الإسلامية.»

وقد كان القرن الرابع عشر الميلادي هو العصر الذي بلغ فيه فيلسوف قرطبة وفلسفته الذروة في الحظوة والسيادة لدى اليهود: لقد صار عندهم الفيلسوف الذي حل محل المعلم الأول؛ فمؤلفاته صارت موضع الشرح والتفسير، والتلخيص والاقتباس، تبعا لحاجات التعليم المتعددة.

واستمر فيلسوف قرطبة في مكانة المعلم الأول لدى اليهود في تلكم العصور، حتى إذا أدت الفلسفة اليهودية رسالتها، وجاء دور انحطاطها في القرن الخامس عشر، كان ابن رشد أيضا هو الذي تدرس مؤلفاته، ويتناولها المفكرون والمتفلسفون بالبحث والدراسة من نواحيها المختلفة، وآية ذلك أن الجانب الأكبر من المخطوطات العبرية التي بقيت لنا من مؤلفاته ترجع في تاريخها إلى ذلك العصر.

وابن رشد لم يأخذ مكانه ونفوذه لدى اليهود فحسب؛ فقد نفذت الفلسفة الإسلامية عامة إلى أوروبا وهي في أشد الحاجة إليها، وانتشرت في معاهد التعليم على اختلافها، وكان لكل من رجالاتها مؤيدون ومعارضون، حتى إذا كان القرن الرابع عشر كان لابن سينا وابن رشد، وبخاصة هذا، المكان الأول بأوروبا، حتى أخملا ذكر الآخرين من فلاسفة الإسلام.

أما في القرن الخامس عشر، فقد كان ابن رشد وحده هو ممثل الفلسفة الإسلامية في أوروبا، وواحدها الذي يعتمد عليه، ويعتبر رأيه هو المعبر عن هذه الفلسفة، بل إن بعض مفكري تلك العصور كانوا - كما يذكر رينان - يرون فيه أبا الفلسفة المدرسية، والشارح الوحيد الذي عرفته القرون الوسطى.

كان ذلك كله بعد أن فهم اللاتين هذه الفلسفة بحسب وسعهم حينذاك، وبعد أن ترجمت كل مؤلفات ابن رشد المهمة تقريبا من اللغة العربية إلى اللاتينية، وكان هذا نحو منتصف القرن الثالث عشر كما يقول رينان.

ولم تقف مكانة ابن رشد لدى اللاتين في أوروبا عند هذه المنزلة، بل ظلت تزداد علوا وسموا في نظر هؤلاء حتى اختصموا من أجله، وصار منهم متعصبون له ومتعصبون آخرون عليه من أساطين فلسفة القرون الوسطى.

كما كان من بين هؤلاء وأولئك، من ذوي العقول الممتازة الجبارة، من كان يحترمه ويقدره قدره بوصفه أكبر أستاذ ومعلم لهم، ومن كان يرى فيه في الوقت نفسه أكبر زنديق وملحد بمذهبه وفلسفته!

ليت شعري أين ابن رشد فيرى من يعدون أنفسهم اليوم سادة التفكير في العالم يحلون فلسفته المكان العلي، ويجعلون منه المعلم والأستاذ، ويختصمون من أجله، ويكبر الواحد منهم نفسه بالتعصب له أو عليه!

من له فيرى كل هذا من الذين غلوا في تقدير أنفسهم غلوا كبيرا، فاخترعوا أسطورة العقلية السامية والعقلية الآرية، وتوهموا علو هذه على تلك علوا يرجع إلى الفطرة والطبيعة وأصل التكوين!

إنه لو كان في المقدور أن ينزل ابن رشد من عليائه إلى حياتنا الدنيا، ويرى كل هذا، لاغتبط أيما اغتباط، ولرجع إلى مستقره في جنة الخلد مطمئن البال، مرتاح الضمير؛ بسبب ما قدم للإنسانية من خير.

| هل نجح ابن رشد في رسالته؟

إذا نجح امرؤ في الوصول إلى غاية رسمها لنفسه، فيجب أن نتساءل: ما عوامل هذا النجاح؟ وماذا يرجع منها إلى جهوده الخاصة؟ وماذا يرجع إلى الظروف التي وجد فيها فجعلت هذه الغاية سهلة المنال يسيرة الحصول؟ وإن لم يقدر له النجاح، فيجب كذلك أن نتساءل: أهذا الإخفاق لأنه رام أمرا غير مروم، أو هو مروم، لكنه عسير المنال دونه عقاب وأهوال؟

على أن تعرف نجاح ابن رشد أو عدم نجاحه أشد عسرا - في رأينا - من أن نتبينه باللحظة الخاطفة، أو النظرة العاجلة، أو التفكير الفطير، ما دام الأمر يتعلق برسالة فكرية فلسفية يرجع النجاح والإخفاق فيها إلى عوامل متداخلة شديدة التعقيد والتركيب. إن ذلك يتصل بالفكرة نفسها، وبالمنهج الذي رسمه للوصول إلى تحقيقها، وبالدين الذي يدين به، والبيئة التي كان يعيش فيها، والعقليات التي كان يكتب لها، والعصور التي جاءت بعده وأحوالها، وبغير هذا كله من العوامل التي قد يصعب استقصاؤها.

ابن رشد الفيلسوف · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن رشد الفيلسوفص ٣١