ولعلنا حريون - إن استعرضنا سائر آرائه ونظرياته الفلسفية، وقارناها بأمثالها لدى من تقدمه من الفلاسفة - أن نجد الأمر قريبا من هذا، أي إنه لم يستطع إلا أن يتأثر بأسلافه هؤلاء قليلا أو كثيرا.
ولا عجب؛ فالمفكر الحق الذي ينشد الحق لنفسه هو من لا يأبى أن يفيد من غيره، ومن يضع لبنة في الصرح الذي يعمل الجميع لتشييده وإعلائه.
وإذن فلنترك تأثره بسلفه إلى بيان أثره في خلفه. (1) في الإسلام
يألم الباحث ويحس بخجل شديد حين يفكر في أثر ابن رشد وتعاليمه في الإسلام، شرقه وغربه؛ إذ كان حظه في ذلك إهمالا مزريا له ولفلسفته، ولجهوده في الانتصار لها، والتوفيق بينها وبين الشريعة.
حقا، لقد كان له شهرة كبيرة في أيامه، ومركز ممتاز مرموق بين معاصريه، حتى كان يعد من مفاخر الأندلس حين يقع التفاضل بينها وبين المغرب، ولكن - وقد ران الظلام على العقول في عصر الانحطاط - صارت الفلسفة التي قامت عليها شهرته هي السبب في إخمال اسمه وذكره.
وقد كان من ذلك أن التاريخ لا يعرف - كما يقول رينان - له تلميذا وصل إلى شيء من الشهرة في الإسلام، وأن تعاليمه لم تجد من يأخذ بها إلى الأمام حتى تبقى سائرة ممتدة مع الأيام، وأن مؤلفاته التي أنفق حياته في كتابتها لم يكن لها إلا القليل من القراء.
وفي هذا يقول الأستاذ «دي بور
De Boer »، في كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام»:
لم يكن لفلسفة ابن رشد ولا لشروحه على مذهب أرسطو سوى أثر قليل جدا في العالم الإسلامي، وقد ضاعت أصول الكثير من مؤلفاته، وإنما وصلت إلينا مترجمة إلى اللغة العبرية أو اللاتينية.
2
ولم يكن له تلاميذ ولا أتباع يواصلون فلسفته ... ولم تستطع الفلسفة أن تؤثر في الثقافة العامة أو مجرى الحوادث.
كما يذكر «مونك
Munk » أنه من أول القرن الثالث عشر الميلادي - كانت وفاة ابن رشد عام 595ه/1198م - لم نعد نرى فلاسفة مشائين خالصين، بل مفكرين يفكرون فلسفيا في الدين، مثل الإيجي صاحب «المواقف». وانحطاط الفلسفة يعزي، فيما يعزي، للنفوذ الذي جد للأشاعرة.
وفي الحق كما يقول رينان: إن الفلسفة الإسلامية فقدت، بموت فيلسوف الأندلس، آخر ممثليها في الإسلام، وصار انتصار القرآن
3
على التفكير الحر مؤكدا مدة ستة قرون على الأقل.
ليس من العجيب إذن أن نجد مؤرخي الحركة الفكرية والعلمية من المسلمين يهملون ابن رشد إهمالا مؤلما، أو لا يذكرونه إلا عرضا؛ أمثال جمال الدين القفطي على قرب عهده به، وابن خلكان، وحاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون». وهذا الأخير ذكر اسمه حقا، ولكن ذكرا عرضيا بمناسبة الحديث عن مؤلفات الغزالي التي عمل ابن رشد على نقضها وبيان تهافتها.
وابن بطوطة الرحالة المسلم المعروف، الذي جاب العالم الإسلامي، وترك لنا في رحلته وصفا طيبا له وللحضارة الإسلامية على اختلاف ألوانها، لم يذكر في رحلته هذه كلمة عن الفلسفة. وفي هذا شاهد قوي على ركود الفلسفة في العالم الإسلامي حينذاك، لا على ضعف أو انعدام أثر ابن رشد وحده.
وإذن فليس لنا أن نبحث في الإسلام عن مذهب ابن رشد وأثره، بل يجب أن نتجه في هذا إلى اليهود في الأندلس بصفة خاصة، وإلى أوروبا عامة فيما بعد. (2) في أوروبا
هنا نجد مجال القول ذا سعة، ونجد الحديث مما يسر روح ابن رشد في سمائه العليا، حيث يقيم في أمن من الله ورضوان.
لقد كان اليهود هم الخلف الحقيقي لابن رشد في تلكم العصور الوسطى، وكان في مدرسة ابن ميمون الاستمرار المباشر للفلسفة الإسلامية، ولفلسفة ابن رشد خاصة، كما يقول رينان، وبفضل اليهود بقي لنا جانب غير قليل من كتابات ابن رشد وإخوانه الفلاسفة، مترجمة إلى العبرية، أو بلغتها العربية الأصلية، لكنها مرسومة بحروف عبرية.
بذلك وجدت هذه المؤلفات لديهم معاذا رد عنها عاديات الدهر، وعدوان المتعصبين ضد الفلسفة ورجالها، من أسرة الموحدين وغير الموحدين الذين تداولوا ملك الأندلس.