تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإلا يكن هذا صحيحا، فكيف لم ير المنصور نفسه بأسا في أن يشتغل ابن زهر بالفلسفة، التي حرم الاشتغال بها، لثقته بدينه وعقله! وكيف أن ابن زهر هذا أبى على بعض تلاميذه أن يشتغلوا بشيء منها قبل إتقان علوم الدين، واعتيادهم القيام بالشعائر الدينية كما سبق أن بيناه!

فإن صح ما ذكره الأنصاري من حادث الريح، يكن من الواجب أن يدخل في أسباب النقمة على ابن رشد ما كان منه في هذا الحادث؛ مما يعتبر تكذيبا لبعض ما جاء به القرآن، حين أنكر الريح التي هلك بها قوم عاد.

وقد يدل لهذا أيضا ، أن نفس هذا الخليفة الذي نكب فيلسوفنا، وهو يعقوب المنصور، كان قد ساءه كثيرا تشعب الآراء في الفقه، فعمل على محو مذهب مالك - رضوان الله عليه - وحمل الناس على القرآن والحديث أو السيف، كما يذكر المراكشي.

إذن فما كان من نكبة ابن رشد وتشريد أصحابه يرجع، فيما يرجع إليه من أسباب، إلى الرغبة في الحجر على العقل والتفكير في بعض الحالات، سواء أكان ذلك في الفقه أو الفلسفة؛ وذلك حتى لا يحدث في الدين من آراء الفقهاء ما ليس منه، وحتى لا يكون من ناحية الفلسفة ما قد يؤخذ منه المعارضة لبعض ما جاء به القرآن أو الدين بصفة عامة، فيثور الفقهاء وتتبعهم العامة، وذلك ما لا يرضاه ملك يحرص على جمع الكلمة والأعداء منه بمرصد، وبخاصة وقد كان المنصور، كما يذكر ابن خلكان والمقري، رجلا يحفظ القرآن والحديث، ومجددا للدين معليا لسلطانه، ومتمسكا عمليا به، ومشورا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القول والعمل، كما كان محبوبا من الشعب حبا شديدا. •••

ومهما كانت الأسباب التي أدت إلى نكبة ابن رشد؛ فإنه كما يقول رينان بحق في كتابه «ابن رشد ومذهبه»، في تلك الفترة من الزمن، قد نجح الحزب الديني ضد الحزب الفلسفي؛ إذ نفي مع أبي الوليد أربعة آخرون ذكرهم صاحب «طبقات الأطباء».

أما هو فقد كان منفاه «أليسانه»، وهو بلد قريب من قرطبة، وكان لليهود خاصة، وفي هذا غمز له في نسبه كما يروي الأنصاري، وأنه ينتسب إلى بني إسرائيل، وأما رفقاؤه الأربعة في المحنة فقد أمروا أن يكونوا في مواضع أخر.

وقاسى ابن رشد في محنته هذه كثيرا من الشدائد، وكان آلمها طرده هو وابنه من المسجد يوما ما في قرطبة؛ مشرقه وموطن مجده، وقد هما بدخوله لأداء صلاة العصر، كما ذكرنا قبل. وهذا معناه أن نكبته ذاع أمرها، وعلم بها الناس حتى العامة، وأنها صادفت هوى في نفوسهم، وهو الذي كان ينفق جاهه وماله في سبيل سعادتهم، كما أن تلاميذه تفرق شملهم وتباعدوا عنه.

على أن زمن المحنة لم يطل، كما أن شمسه آذنت بعد ذلك للمغيب، فقد تغيرت نفس المنصور بعد عودته إلى مراكش، ومال من جديد إلى تعلم الفلسفة، فألغى مراسيمه بتحريمها واضطهاد أهلها، وشهد لديه جماعة بحسن دين ابن رشد وعقيدته، وأنه على غير ما نسب إليه، فعفا عنه وعن صحبه سنة 595ه، واستدعاه إلى مراكش ليكون بحضرته.

إلا أنه لم يلبث طويلا، فمات في هذه السنة بمراكش قبل وفاة الخليفة المنصور بيسير، عن اثنين وسبعين عاما وبضعة أشهر، ثم حمل رفاته إلى قرطبة بعد ثلاثة أشهر؛ حيث دفن بمقبرة أسرته.

تلك حياة ابن رشد وأحداثها ومظاهرها، ولم يبق في هذه الناحية إلا أن نسجل أن أبا الوليد مر بالمحنة، أو مرت به موفور الكرامة. إنه لم يطلب العطف أو يعتذر ويلح في الاعتذار توقيا مما كان يتوقع من ظلم وشدائد، بل احتمل ذلك كله ساكن النفس صابرا ما دام ذلك لا يثنيه عن غايته، وعن أداء رسالته التي وهب نفسه لها.

لقد كان من أجل هذا حريا بحكم ابن الأبار، في كتابه «التكملة»، حين قرر - كما قدمنا - أنه لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا.

| ابن رشد وأثره من بعده

للعظمة معالم ومظاهر، قد تكون في الخلق، وقد تكون في الفن، وقد تكون في العلم، وقد تكون في هذا كله وأكثر منه معا، وفي كل ضرب من هذه الضروب ألوان مختلفة، وصور متعددة.

ابن رشد الفيلسوف · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن رشد الفيلسوفص ٢٨