لها نار غي في العقايد تشعل
أقمتهم للناس يبرأ منهم
ووجه الهدى من خزيهم يتهلل
وأوعزت للأقطار بالبحث عنهم
وعن كتبهم، والسعي في ذاك أجمل
وقد كان للسيف اشتياق إليهم
ولكن مقام الخزي للناس أقتل
وآثرت درء الحد عنهم بشبهة
لظاهر إسلام، وحكمك أعدل
وله - أي لابن جبير - في الفيلسوف المنكوب فترة قليلة غير ذلك مما يطول إيراده، كما يقول الأنصاري.
ونظن أن من السهل أن نتمثل حال هذا الشاعر وغيره من الذين ظاهروا على أبي الوليد في محنته. وقد فاء المنصور إلى نفسه ورجع في فيلسوفنا إلى جميل رأيه فيه، فعفا عنه وقربه بعد قليل من هذه المحنة!
تلك هي نكبة ابن رشد ومظاهرها، وما تقدم هو جماع ما ذكره مؤرخو المغرب والأندلس من أسبابها. فهل هي الأسباب الحقيقية التي تكفي لتفسير هذه النكبة وإيضاح عواملها؟ أو هناك سبب آخر أهم من تلك الأسباب جميعا يجب أن يعتبر أو يضاف إليها؟
نظن أن من الخير تحقيق هذه المسألة، وإن لم نكن بصدد رسالة عن ابن رشد من جميع نواحيه، بل بصدد بحث عن رسالته التي اضطلع بها، وحياته وما كان فيها من أحداث.
يرى المستشرق الفرنسي «مونك
Munk » أن تعصب الموحدين يكفي وحده لتفسير تعصب الخليفة المنصور ضد ابن رشد، ويستشهد لما يرى بأن ابن أبي أصيبعة ذكر في حياة أبي بكر بن زهر، أن المنصور أمره بتعقب الذين يدرسون الفلسفة الإغريقية، وبمصادرة الكتب الخاصة بها وإحراقها.
وكذلك «رينان
Renan » يذهب إلى هذا الرأي أو قريب منه؛ إذ يرى أن تعصب الموحدين وكراهة الفلسفة هما السبب الحقيقي لهذه النكبة التي عاناها ابن رشد، وللاضطهادات التي كان أمثاله عرضة لها، ويعلل ما يراه بأن الموحدين يتصلون مباشرة بمدرسة الغزالي، وأن مؤسس دولتهم - وهو المهدي - في أفريقية كان تلميذا من تلاميذ حجة الإسلام، وعدو الفلسفة.
ولكن للباحث أن يتساءل عما إذا كان تعصب الموحدين كما يرى مونك، أو هذا التعصب وكراهة الفلسفة كما يرى رينان، هما وحدهما السبب الحقيقي لمحنة ابن رشد وصحبه وتلاميذه؟ نعتقد أن الجواب هو: لا.
لقد ساق مونك دليلا لرأيه - كما قدمنا - تكليف المنصور الحفيد أبا بكر بن زهر إعدام كتب الفلسفة، وأخذ المشتغلين بها بالعقاب الشديد، ولكن فاته أن يذكر أن المؤرخ الذي أورد هذا الخبر - وهو صاحب طبقات الأطباء - أردفه بأن المنصور نفسه خص الحفيد بذلك حتى «إن كان عنده شيء من كتب المنطق والحكمة لم يظهر ولا يقال عنه: إنه يشتغل بها ولا يناله مكروه بسببها.» وذلك لما اتهمه بعض أعدائه بأنه يشتغل بالحكمة وعنده الكثير من كتبها، وشهد معه كثيرون بما قال، كان جزاؤه - أي الشاكي - السجن ورد قوله لما يعرفه المنصور - كما قال - في ابن زهر: «من متانة دينه وعقله.»
كذلك ساق نفس المؤرخ بعد ما تقدم مباشرة أن الحفيد هذا كان له تلميذان يدرسان عليه الطب ، فأتياه يوما ومعهما كتاب في المنطق، فلما عرفه رمى به وهم بضربهما لولا أنهما فاتاه عدوا، وبعد بضعة أيام حضروا معتذرين بعذر تظاهر بقبوله، ثم أمرهم بحفظ القرآن والاشتغال بالتفسير والحديث والفقه، والمواظبة على رعاية الأمور الدينية، فلما امتثلوا وصارت تلك الأمور عادة لهم، أخرج كتاب الفقه وقال: «الآن صلحتم لأن تقرءوا هذا الكتاب وأمثاله علي، وأشغلهم فيه.»
يظهر لنا إذن أن بعض من عنوا بدراسة الفلسفة كانوا غير أهل لها، فكانوا يخرجون بسببها عن بعض ما جاء به الدين، ويكونون بذلك سببا لإثارة العامة، ولاضطهاد الفلسفة وأهلها بصفة عامة.
هذا فرض قريب من الحق، على ما يلوح لنا، إذا لاحظنا أن القرآن حض في كثير من آياته على الدراسة العلمية الفلسفية.
نحن لا ننكر أن الفلسفة كانت في بعض العهود علما ممقوتا في الأندلس لا يسلم المشتغل بها من اضطهاد، ولا أن بعض الذين عنوا بها قتلوا في سبيلها، أو كانت حياتهم في خطر بسببها، ذلك حق لا شبهة فيه، وقد حفلت كتب التاريخ بالمثل والأدلة عليه، ولكن نرى أن من الحق أن نذهب إلى أن اضطهاد الفلاسفة بصفة عامة، وابن رشد بصفة خاصة، كان من أسبابه الهامة الخروج في شيء من آرائهم عن الدين؛ إما في الواقع، وإما لأن الجهل يخيل ذلك للعامة وللفقهاء، فيندفعون للتعصب ضدهم، ويجاريهم الولاة والخلفاء أحيانا كسبا لقلوبهم، واستدامة لسلطانهم.