تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا عجب في هذا؛ فإن «الفلسفة - كما يذكر في التهافت - تنحو نحو تعريف بعض الناس سعادتهم، وهم من عندهم استعداد لتعلمها، أما الشرائع فتقصد تعليم الجمهور عامة.» ولذلك كان العلم الذي يأتي به الوحي رحمة لجميع الناس.

وهذا الرأي الذي ذهب إليه ابن رشد في الوحي، وأنه ضروري، وتحديد الصلة بينه وبين العقل بجعله لكل منهما مكانا عليا على ما يؤخذ من نصوص الكشف والتهافت. هذا الرأي قد يظن متعارضا وما جاء في كتابه الآخر «فصل المقال» خاصا بعلو النظر العقلي، وأن العقل قادر على الوصول لكل ما تجيء به الشريعة من حقائق وتعاليم، وأن قصارى الوحي أن يبين للجمهور - في صور ورموز - الحقائق التي يكشفها عقل الفيلسوف خالصة مما يكسوها في الوحي من تلك الرموز والأمثال، وأنه من أجل ذلك قد «انقسم الشرع إلى ظاهر: هو تلك الأمثال المضروبة لتلك الحقائق والمعاني الخفية، وباطن: وهو هذه الحقائق والمعاني التي لا يصل إليها إلا ذوو البرهان.» كما يقول في «فصل المقال».

قد يظن التعارض بين ما ذهب إليه هنا وما ذهب إليه هناك كما قلنا؛ ولهذا أساء بعض مؤرخي الفلسفة الإسلامية فهم موقفه، فبعضهم معتمدا على نصوص الكشف والتهافت وحدهما جعله «غير عقلي

Antirationalirte »، وبعضهم معتمدا على نصوص فصل المقال وحده جعله عقليا، بإطلاق، لا يتردد في تأويل ما لا يتفق والعقل من نصوص الدين.

هكذا اختلف مؤرخو الفلسفة الإسلامية في بيان نزعة ابن رشد، ولعل الصواب أن نقول للأستاذ «جوتييه

Ganthier » المستشرق الفرنسي المعروف: إن فيلسوف قرطبة ليس من الحق أن يوصف بأنه عقلي أو غير عقلي دائما وبإطلاق.

إن الحق - فيما نرى - هو أن يحكم عليه بأنه غير عقلي إذا ما تعلق الأمر بالعامة الذين لا يطيقون النظر والأدلة البرهانية، وأنه عقلي إذا تعلق الأمر بأولي النظر العقلي والفلسفة؛ ذلك بأنه - فيما يذهب إليه - بالتعبير عن الحقيقة الواحدة بلغتين «مرة بالرموز والأمثال ليفهمها الجمهور، وأخرى بذكرها مجردة كما هي لذوي البرهان» يتم التفاهم بين الشريعة والحكمة، ولا تصطدم إحداهما بالأخرى، ما دام لكل منهما نفوذ خاص، وصنف معين من الناس تتجه لخيره وسعادته.

| عمله في نظرية المعرفة

لعل هذه الناحية من نواحي نشاط ابن رشد الفلسفي كانت حرية أن تكون ضمن البحوث التي انطوى عليها مذهبه في التوفيق بين الحكمة والشريعة؛ فإن فيها ضربا من التوفيق بين العقل والحاجة إلى عون الله وإلهامه حتى تتم للإنسان المعرفة الكاملة.

كان من الممكن أن يكون هذا، إلا أننا أفردناها ببحث مستقل؛ لأنه لم يقصد بها التوفيق فقط، بل عنى بها ما يجب أن يعنى به كل فيلسوف، وهو بيان المعرفة وبم تكون؟ وكيف تكون؟ معتمدا تقريبا على رسالة النفس لأرسطوطاليس وحدها. هذه الرسالة التي تعتبر أساسا لعلم النفس عند الإغريق وعند المسلمين حتى في كثير من التفاصيل.

ومما لا ريب فيه أن الحدود التي رسمناها لهذا العمل الصغير، لا تتسع لشرح نظرية العقل والمعرفة في كل تفاصيلها، كما جاءت عن أرسطوطاليس وشراحه، وعن الفلاسفة المسلمين الذين سبقوا ابن رشد؛ لذلك سنعنى فقط بما يختص بفيلسوفنا من هذه النظرية، لنرى ما قد يكون له من تعديل أو ابتكار وطرافة. (1)

تكون المعرفة عند الفلاسفة بعمل العقل الإنساني الذي ينتزع الحقائق المختلفة من موادها ويدركها، إلا أنه لا بد له - ليؤدي وظيفته - من معين آخر خارج عنه. وهذا المعين هو العقل الفعال الإلهي الخالد الذي يشرق على العقل الإنساني ويلهمه الحقائق المختلفة متى كان مستعدا وأهلا لها، والذي يعتبر الاتصال به - عند فلاسفة الإسلام - هو الطريق الأمين للمعرفة الحقة.

لذلك نرى أن مسألة اتصال الإنسان بهذا العقل الفعال تشغل جانبا كبيرا من تفكير الفلاسفة المسلمين، لحسبانهم هذا الاتصال أسمى غرض يجب أن يعنى الإنسان بالوصول إليه، وأنه إذا تم فقد وصل المرء إلى السعادة الكاملة.

ابن رشد الفيلسوف · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن رشد الفيلسوفص ١٧