وأخيرا، فيما يختص بالبعث للحساب: أهو بالروح فقط أو بالجسد أيضا، والجزاء: أهو معنوي أو مادي؟ يقرر في «كشف الأدلة» و«تهافت التهافت» أن الشرائع جميعا، ومنها شريعة الإسلام، متفقة على أن للنفوس بعد الموت أحوالا من السعادة والشقاء، وإن اختلفت في تمثيل هذه الأحوال للناس، وفي بيان حقائقها.
وشريعتنا - كما يقول - مثلت هذه الحالات من النعيم والعذاب، أو السعادة والشقاء، بمثل مادية جسمانية؛ لتكون أكثر تحريكا لنفوس الجمهور، ودفعا لها إلى العمل الطيب. والنصوص التي تناولت وصف هذا الجزاء من الممكن أن تؤول لناس دون ناس.
إذن فرض كل امرئ في هذه المسألة هو الاعتراف بأصل البعث والجزاء الثابت بكل أنواع الأدلة؛ وفيما يختص بالكيفية والصفة يجب أن يعتقد بما أداه إليه نظره واجتهاده.
ولكي يؤكد لنا ابن رشد أن العقل أو الفلسفة لا تجافي الدين في هذه المسألة، نراه يذكر في «تهافت التهافت» أن الفلاسفة القدماء - ويريد بهم الإغريق - يرون أنه لا يصح أن يتعرض بقول مثبت أو مبطل لمبادئ الشريعة وأصولها العامة التي لا بد منها لسعادة الإنسان. ومن هذه المبادئ البعث وكيف يكون.
الوحي والمعجزات
الآن وصلنا إلى أهم مسألة أو مشكلة يتعرض لها من يحاول التوفيق بين الدين والعقل، نعني مسألة الوحي والنبوة؛ فهي مشكلة يجب حلها، وعقبة يجب اجتيازها للوصول إلى ما يراد من تآخي الشريعة التي تقوم على الوحي والمعجزات، والفلسفة التي لا تعترف بغير العقل والنظر المنطقي.
لا بد إذن من أن يقول ابن رشد في هذه المشكلة كلمة، ومن أن يبين صراحة رأيه الخاص في الوحي، وتحديد الصلة بينه وبين العقل، وفي المعجزات والنبوة، وفي الحاجة إلى الشريعة بجانب العقل.
ونعتقد أن الأمر خطير، وأن اللحظة حاسمة بالنسبة إلى فيلسوف قرطبة الأرسطوطاليسي العقل؛ الفيلسوف الذي نعرف اعتداده بالنظر إلى درجة أن يجيز أن يخالف في نتائجه الإجماع في الأمور النظرية، وأن يقطع بوجوب تأويل ما يخالف نتائج النظر المنطقي الصحيح من ظواهر النصوص.
نعم! الأمر جد خطير، واللحظة حاسمة، ولكن فيلسوفنا أخذ يسوس المشكلة سياسة لبقة حكيمة، ويعالج الأمر بتسامح وبعد نظر، حتى نجح أو صار قريبا من النجاح الذي أراد.
ها هو ذا، ونحن نعلم كم أشاد بالنظر العقلي، وكم أشار به، نراه يصرح بأن هناك أمورا يعجز العقل عن معرفتها، وإذن فلا مناص من الرجوع فيها إلى الوحي. ولا عجب؛ فقد جاء الوحي - كما يقول - متمما لعلوم العقل؛ لأن «كل ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى الإنسان من قبل الوحي».
وهذه الأمور التي يعجز العقل عن إدراكها سيجيء عما قريب بيانها وذكر مثل لها، ولكنا نذكر الآن أنها - كما يقول في كتابه «تهافت التهافت» - أمور من «الضروري علمها لحياة الإنسان ووجوده» وسعادته. وقد كرر هذه الحقيقة وأكدها في موضع آخر، حين رأى أن الفلسفة تعنى بفحص ما يجيء به الشرع؛ فإن أدركته كان ذلك أتم في المعرفة، وإلا «نادت بقصور العقل الإنساني، وأن ذلك مما يدركه الشرع وحده».
هذه الأمور التي يحتاج فيها إلى الشريعة، ولا يكفي العقل في معرفتها، تتلخص - كما يرى ابن رشد - في معرفة الله معرفة تامة بالقدر الممكن في هذه الحياة، وفي السعادة والشقاء الإنساني في هذه الحياة الدنيا وما بعدها، وفي وسائل هذه السعادة وأسباب هذا الشقاء.
ذلك بأن الفلاسفة يرون أن الإنسان لا تقوم حياته وسعادته إلا بالفضائل النظرية والخلقية. وهذه تعتمد معرفة الله وتعظيمه بالعبادات المشروعة وفق الملل المختلفة، مثل القرابين والأدعية والصلوات ونحو ذلك مما لا يعرف إلا من الشرع الموحى به، كما يذكر في «تهافت التهافت»، أو على الأقل - كما يذكر في «كشف الأدلة» - هذه الأمور «لا تعرف كلها أو معظمها إلا بوحي، أو يكون معرفتها بوحي أفضل».