فقيرا لا شيء له إذا تقرر هذا فالفقير الذي لا يقدر على كسب ما يقع موقعا من كفايته ولا له من الأجرة أو من المال الدائم ما يقع موقعا من كفايته ولا له خمسون درهما ولا قيمتها من الذهب مثل الزمنى والمكافيف وهم العميان سموا بذلك لكف أبصارهم لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعا من كفايتهم وربما لا يقدرون على شيء أصلا قال الله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا البقرة 273 ومعنى قولهم يقع موقعا من كفايتهم أنه يحصل به معظم الكفاية أو نصف الكفاية مثل من يكفيه عشرة فيحصل له من مكسبه أو غيره خمسة فما زاد والذي لا يحصل له إلا ما لا يقع موقعا من كفايته كالذي لا يحصل له إلا ثلاثة أو دونها
فهذا هو الفقير والأول هو المسكين فيعطى كل واحد منهما ما يتم به كفايته وتنسد به حاجته لأن المقصود دفعها وإغناء صاحبها ولا يحصل إلا بذلك والذي يسأل ويحصل الكفاية أو معظمها من مسألته فهو من المساكين لكنه يعطى جميع كفايته ويغنى عن السؤال إن قيل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه قلنا هذا تجوز وإنما نفي المسكنة عنه مع وجودها فيه حقيقة مبالغة في إثباتها في الذي لا يسأل الناس كما قال عليه السلام ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب وقال ما تعدون الرقوب فيكم قالوا الذي لا يعيش له ولد قال لا ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا وقال وما تعدون المفلس فيكم قالوا الذي لا درهم له ولا متاع قال لا ولكن المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ويأتي وقد ظلم هذا ولطم هذا وأخذ من عرض هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا نفدت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم يصك له صك إلى النار
فصل ومن كان ذا مكسب يغني به نفسه وعياله إن كان له عيال أو كان له قدر كفايته في كل يوم من أجر عقار أو غلة مملوك أو سائمة فهو غني لا حق له في الزكاة وبهذا قال ابن عمر والشافعي وقال أبو حنيفة إن لم يملك نصابا فله الأخذ منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فجعل الغني من تؤخذ منه الصدقة ولا تؤخذ إلا من النصاف ولأن هذا لا يملك نصابا ولا قيمته فجاز له الأخذ كالذي لا كفاية له
ولنا ما روى عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئا منها فصعد بصره فيهما وقال لهما إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب رواه أبو داود ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله وقال هذا أجودهما إسنادا ما أجوده من حديث ما أعلم روي في هذا أجود من هذا قيل له فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي