الضرب الثاني ما أكل لحمه فقال أبو بكر بن المنذر أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والوضوء به فإن كان جلا لا يأكل النجاسات فذكر القاضي روايتين
إحداهما أنه نجس
والثانية طاهر
فيكون هذا من النوع الثاني من القسم الأول المختلف فيه
الضرب الثالث السنور وما دونها في الخلقة كالفأرة وابن عرس
فهذا ونحوه من حشرات الأرض سؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به ولا يكره
وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين من أهل المدينة والشام وأهل الكوفة أصحاب الرأي إلا أبا حنيفة فإنه كره الوضوء بسؤر الهر فإن فعل أجزأ
وقد روي عن ابن عمر أنه كرهه
وكذلك يحيى الأنصاري وابن أبي ليلى
وقال أبو هريرة رضي الله عنه يغسل مرة أو مرتين وبه قال ابن المنذر
وقال الحسن وابن سيرين يغسل مرة وقال طاوس يغسل سبعا كالكلب وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وقال إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة
ولنا ما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا
قالت فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت
قالت كبشة فرآني أنظر إليه
فقال أتعجبين يا ابنة أخي فقلت نعم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وهذا أحسن شيء في الباب
وقد دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا وروى ابن ماجه عن عائشة قالت كنت أتوضأ أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء قد أصابت منه الهرة قبل ذلك وعن عائشة أنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم
وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها رواه أبو داود
فصل إذا أكلت الهرة نجاسة ثم شربت من ماء يسير بعد أن غابت فلماء طاهر
لأن النبي صلى الله عليه وسلم نعى عنها النجاسة وتوضأ بفضلها مع علمه بأكلها النجاسات
وإن شربت قبل أن تغيب فقال القاضي وابن عقيل ينجس
لأنه وردت عليه نجاسة متيقنة
أشبه ما لو أصابه بول
وقال أبو الحسن الآمدي ظاهر مذهب أصحابنا أنه طاهر وإن لم تغب
لأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنها مطلقا
وعلل بعدم إمكان الاحتراز عنها
ولأننا حكمنا بطهارة سؤرها مع الغيبة في مكان لا يحتمل ورودها على ماء كثير يطهر فاها ولو احتمل ذلك فهو شك لا يزيل يقين النجاسة فوجب إحالة الطهارة على العفو عنها وهو شامل لما قبل الغيبة
فصل وإن وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما في مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية
فهو طاهر
نص عليه أحمد فإنه سئل عن الفأرة تقع في السمن الذائب فلم تمت قال لا بأس بأكله
وفي رواية قال إذا كان حيا فلا شيء إنما الكلام في الميت
وقيل يحتمل أن ينجس إذا أصاب الماء مخرجها
لأن مخرج النجاسة نجس فينجس به الماء
ولنا أن الأصل الطهارة وإصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه فإن المخرج ينضم إذا وقع الحيوان في الماء فلا يزول اليقين بالشك