- وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وبين من تابعه على ذلك من العرب من بعد.
ولقد خاطب القرآن الكريم أهل الكتاب بما ارتكبه آباؤهم من قبل، وما ذلك إلا لإقرارهم له ورضاهم به، فقال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: 91].
يقول لهم: إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان بما أنزل عليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤكم بتصديق التوراة التي بين أيديكم وقد أمرتم باتباعهم وتصديقهم، وهذا خطاب لليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن أحدا من هؤلاء لم يرتكب شيئا من ذلك، وإنما هو أمر جناه آباؤهم من قبل، فخوطبوا به لرضاهم به وإقرارهم له، ومثل ذلك كثير في القرآن.
المسألة الثانية: إن القول بأن هذه النظم تسعى جاهدة إلى التغيير، وأن ذلك ينفي شبهة الرضا والمتابعة أمر يحتاج إلى تفصيل.
ذلك أنه لا منازعة في صحة المبدأ في ذاته، فمن جاء على ميراث سابق من الكفر، ولكن أعلن انخلاعه عنه، وكفره به، وبراءته منه، ثم توجه بكل جهده نحو تغييره وإزالته، فلاشك أنه لا ينسحب عليه حكم من سبقه، ولا يسأل عن جريمة جناه غيره، بل يسلك إن صدق في عداد المجاهدين.