مدرة لا تعلوها السيول ، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هناك ولا يعينونه ؛ وكان المظلوم يأتيه من أقطار الأرض ويدعو عنده فقل من دعا هناك إلا استجيب له . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن الناس كانوا يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لخليله إبراهيم عليه السلام وأعلمه مكانه . ويروى أنه لما بوأ الله تعالى لخليله مكان البيت وأمره ببنائه أقبل من الشأم وسنه يومئذ مائة سنة وسن ابنه اسماعيل ستة وثلاثون ، وأرسل الله معه السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان وفي رواية : كأنها غمامة في وسطها من أعلى كهيئة الرأس تتكلم وكانت بمقدار البيت فلما انتهى الخليل إلى مكة وقفت في موضع البيت ونادت : يا إبراهيم ابن على مقدار ظلي لا تزد ولا تنقص وفي الرواية الأخرى أنها تطوقت بالأساس كأنها حية . ثم إن الخليل لما انتهى في البناء إلى موضع الحجر الأسود طلب من إسماعيل حجرا يضعه ليكون علما على بدء الطواف ، فجاءه جبريل عليه السلام بالحجر الأسود من جبل أبي قبيس لأن الله تعالى استودعه إياه لما غرقت الأرض ؛ وفي رواية أن الحجر نفسه نادى الخليل من أبي قبيس : ها أنا ذا فرقي إليه فأخذه فوضعه في موضعه ، وقيل : إن الجبل ناداه فقال له : يا إبراهيم لك عندي أمانة فخذها وجعل الخليل طول البيت في السماء تسعة أذرع بتقديم التاء ، ولعله بمقدار ما بني وإلا فطوله الآن سبعة وعشرون ذراعا ، ويمكن أن تكون أذرع سيدنا إبراهيم عليه السلام طويلة ، وعرضه على أساس آدم من الركن الأسود إلى الركن الشامي اثنان وثلاثون ذراعا ، ومن الشامي إلى الغربي اثنان وعشرون ذراعا ، ومن الغربي إلى اليماني أحد وثلاثون ذراعا ، ومن اليماني إلى الأسود عشرون . وجعل بابه بالأرض غير مبوب لنا ، حتى كان تبع الحميري هو الذي جعل له بابا وغلقا فارسيا . ولما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت أوحى الله تعالى إليه أن أذن في الناس بالحج فقال : يا رب وما يبلغ صوتي ؟ فقال : أذن وعلي البلاغ فنادى إبراهيم عليه السلام على المقام بأعلى صوته : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فسمعه من في السماء ومن في الأرض حتى من في الأصلاب والأرحام ، فمن أجاب مرة حج مرة ، ومن أجاب مرتين حج مرتين ، ومن أجاب ثلاثا حج ثلاثا ، ومن أجاب أكثر من ذلك حج بعدده . وقد نظم بعضهم جملة من بنى البيت فقال : | بنى بيت رب العرش عشر فخذهم | ملائكة الله الكرام وآدم | فشيث فإبراهيم ثم عمالق | قصي قريش قبل هذين جرهم | وعبد الإله بن الزبير بنى كذا | بناء لحجاج وهذا متمم | وقوله ( بناء الحجاج ) أي بجانب الحجر فقط بأمر عبد الملك بن مروان ، وبعض البناء كان ترميما .
تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) · الجزء ٣ · الصفحة ١٧٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب)ج ٣ · ص ١٧٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي