رابعا كذلك العقل هو التاجر في متاع الآخرة وشريكه النفس فعليه أن يحاسبها لأن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عرض يمكن أن يشترى بها كنوز لا تتناهى أبد الآباد فيقول للنفس في صبيحة كل يوم مالي بضاعة إلا العمر فمهما فني فقد فني رأس المال ووقع اليأس من التجارة وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله تعالى فيه وأنسأ في أجلي ولو توفاني لأتمنى أن أرجع إلى الدنيا وأعمل صالحا وإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإن كل نفس جوهرة لا قيمة لها فهذه وصية لنفسه في أوقاته ثم يستأنف لها وصية في أعضائه السبعة ويسلمها إليها فإنها رعايا خادمة لها في هذه التجارة وإن لم يحفظ هذه الأعضاء صارت سبعة أبواب لجهنم .
أما العين فيحفظها عن المحرمات بل عن مطلق الفضول ثم يأمر بصرفها إلى ما خلقت له وكذا سائر الأعضاء ثم يراقب عند العمل والمراقبة من مبادئ مرتبة الإحسان ثم رأس مال السالك في دينه الفرائض وربحه النوافل وخسرانه المعاصي وموسم التجارة جملة النهار فإن وقع أداء الفرائض على الكمال فيشكر ويرغب في مثلها وإن فوتها يقضي وإن أداها ناقصة يجبرها بالنوافل وإن صدرت معصية اشتغل بتعذيب النفس ومعاتبتها ليتداركها ثم يحاسب نفسه عن خواطره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه حتى عن سكوته لم سكت مثلا إذا أكل لقمة بشبهة يعاقبها بالجوع وإذا نظر إلى محرم يعاقب العين بمنع النظر وهكذا وهكذا ( ثم المعاتبة والمعاقبة ) إن نقص منه (