إذا ثبت قيام الدليل على أن السياسة في الأحكام من الطرق الشرعية فهل للقضاة أن يتعاطوا الحكم بها فيما رفع إليهم من اتهام اللصوص وأهل الشر والتعدي ، وهل لهم الكشف عن مجرد الإقرار أو قيام البينات ، وهل لهم أن يتهددوا الخصم إذا ظهر أنه مبطل أو ضربه أو سؤاله عن أشياء تدل على صورة الحال ؟ والجواب ما ذكره ابن قيم الجوزية الحنبلي من أن عموم الولايات وخصوصها وما يستفيدها المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف ، وليس لذلك حد في الشرع ، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأزمنة والأمكنة ما يدخل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر وبالعكس .
وأما نصوص أهل المذهب فصريحة بأن لهم تعاطي ذلك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى .
ونقل القرافي في كتابه المسمى بالذخيرة ما ذكره الماوردي في الأحكام السلطانية في الكلام على ولاية الكشف عن المظالم وفي أحكام الجرائم ، وكلامه فيهما يقتضي أن القاضي ليس له أن يتكلم في السياسة ، ولا مدخل له فيها ، وسأذكر ما ذكره القرافي ثم أتبعه نصوص أهل المذهب إن شاء الله - تعالى - على سبيل الاختصار والاقتصار على ما يحصل به المقصود .
قال القرافي في الولاية السياسية ، وهي ولاية الكشف عن المظالم : والفرق بين نظر والي المظالم وبين القضاة من عشرة أوجه .
الأول : له يعني ناظر المظالم من القوة والهيبة ما ليس لهم .
الثاني : أنه أفسح مجالا وأوسع مقالا .
الثالث : أنه يستعمل من الإرهاب وكشف الأشياء