الفصل الثالث : فيما يتعلق بمجلسه ومسكنه وذلك أمور منها : أن يجلس للحكم في المسجد مستقبل القبلة ؛ لأن الخلفاء الراشدين كانوا يجلسون في المسجد لفصل الخصومات ؛ ولأن القضاء في المسجد أنفى للتهمة عن القاضي وأسهل للناس للدخول عليه ، فأجدر أن لا يحجب عنه أحد وأما المشرك فالنجاسة في اعتقاده لا على ظاهر بدنه فلا يصيب الأرض منه شيء .
والحائض مسلمة فالظاهر أنها تحترز عن دخول المسجد في حالة الحيض وتخبر أنها حائض ، فإذا أخبرت القاضي لا يكلفها دخول المسجد ، لكن يخرج إليها أو يأتي إلى باب المسجد فينظر في خصومتها ، كما لو وقعت الخصومة في الدابة فإنه لا يمكن إحضارها في المسجد لكن يخرج القاضي لسماع الدعوى والشهادة من الشهود والإشارة إليها ، فكذا هذا .
وقال أبو حنيفة ( رحمه الله ) : ينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع ؛ لأن في الخصوم الغرباء وأهل البلدة ، والمسجد الجامع أشهر المواضع ولا يخفى ذلك عن أحد .
ولا بأس أن يجلس في بيته ويأذن للناس ، ولا يمنع أحدا من الدخول عليه ، ويجلس معه من كان يجلس معه في المسجد ؛ لأنه لو جلس وحده تتمكن فيه تهمة الميل .
وإذا دخل القاضي المسجد هل يسلم على الناس ؟ قيل إن سلم فلا بأس ، وإن ترك وسعه لتبقى الهيبة وتكثر الحشمة ، وبهذا جرى الرسم أن الولاة والأمراء إذا دخلوا لا يسلمون لتبقى الهيبة وتكثر الحشمة ، وإلى هذا مال الخصاف .
وقيل : عليه أن يسلم ولا يسعه الترك ، وهكذا الوالي والأمير