والأموال يثبت ملكها ويسلب ، والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم ويكره ويندب ، وكانت طرق العلم به خفية المشارب مخوفة العواقب ، والحجج التي تفصل بها الأحكام مهامه يحار فيها القطا ، وتقصر فيها الخطا ، كان الاعتناء بتقرير أصوله وتحرير فصوله من أجل ما صرفت له العناية ، وحمدت عقباه في البداية والنهاية ، وليس علم القضاء كغيره من العلوم .
قال بعض المجتهدين : ولم يكن بمدينة النبي عليه الصلاة والسلام أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن ، كان قاضيا لعمر بن عبد العزيز ، وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء من أبان بن عثمان ، وأخذ ذلك أبان من أبيه عثمان بن عفان .
والدليل على أن علم القضاء ليس كغيره من العلوم : قوله تعالى { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين .
ففهمناها سليمان ، وكلا آتينا حكما وعلما } فأثنى على داود باجتهاده في الحكم ، وأثنى على سليمان باجتهاده وفهمه وجه الصواب .
وروي عن الحسين رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ﴾ قال : هو علم القضاء ، ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن فقه فروع المذهب ، لأن علم القضاء يفتقر إلى معرفة أحكام تجري مجرى الكليات بأحكام الوقائع الجزئيات ، وغالب تلك المقدمات لم يجروا لها في ديوان الفقه ذكرا ، ولا أحاط بها الفقيه خبرا ، وعليها مدار الأحكام ، والجاهل بها يخبط خبط عشواء في الظلام ، فمن جعله الله إماما يلجأ إليه ويعول الناس في