وقولها : أوباه أفعل تفضيل ، من الوباء ، وهو يمد ويقصر قال أهل اللغة هو المرض العام ، يقال أوبات الأرض فهى موبثة ، ووبئت فهى وبيئة ووبئت - بألضم - فهى موبوءة . وأرادت عائشة رضى الله عنها في وصف المدينة بالوباء كثرة ما كان بها من الحمى وقد دل حديث أبى عسيب الماضى ، أنه اختارها على الطاعون وأقرها بالمدينة . ثم دعا الله فنقلها إلى الجحفة، كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أيضا وبقيت منها في المدينة بقايا، ففي قضة العرنيين في الصحيحين من حديث أنس رضى الله عنه ، أنهم استوخموا المدينة . وفى لفظ أنهم قالوا: إن هذه أرض وبيئة وفى رواية : أن أبدانهم سقمت ، وأن ألوانهم اصفرت .
والجمع بين الحديئين : أن الحمى كانت تصيب بالمدينة من أقام بها من أهلها، ومن ورد عليها من غير أهلها، فلما دعا له النبي بأنها تنتقل الحمى عنها إلى الجحفة ارتفع ذلك عن أهلها إلا من تذر وبقى من لم يألف هواها يضيبه من ذلك وقد وقع فيها الوباء بالموت الكشير فى زمن عمر رضى الله عنه .
ففي صحيح البخارى من طريق أبى الأسود الدقلى قال: إأتيت المدينة وقد وقع بها مرض، والناس يموتون مونا ذريعا فجلست إلى عمر . . فذكر حديا . والذريع - بالذال المعجمة ، بوزن بظيم -: الكثير السريع ولا يعارض هذا الدعاة برفع الوباء عنها ، لأنه إنمام وقع بها نادرا . وأما الطاعون فلم ينقل قط أنه وقع بها ، من الزمان النبوى إلى زماننا هذا ولله الجمد . وسأاذدكر الحكمة فى كون المدينة لا يدخلها الطاعون ، مع ثبوت كونه شهادة ، في الباب الثالث إن شاء الله تعالى وقد ظهر بما أوردته أن الطاعون أخص من الوباء ، وأن الأخبار الواردة فىي تسمية الطاعون وباء ، لا يلزم منه أن كل وباء طاعون، بل يدل على بكنيه ، وهو أن كل طاعون وباء ، لكن لما كان الوباء ينشا عنه كثرة الموت ، وكان الطاعون أيضا كذلك أطلق عليه اسمه . .
ويفارق الطاعون الوباء بخصوص سبيه الذى لم يرد فى شيء من الأوباء نظيره ، وهو كونه من وطعن الجن. وهو عندى لا يخالف قول الأطباء - فيما تقدم - من كونه ينشا عن مادة سمية أو هيجان الدم أو أنصبابه إلى عضو أو غير ذلك ، لأنه لا مانع أن ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة ، فيحدث منها، المادة السمية ، أو يهيج بسببها الدم ، أو ينصب : فللاطباء إذ لم يتعرضوا لكونه من طعن الجن معذرة ، لأن ذلك أمر لا يدرك بالعقل ولا بالتجربة ، وإنما تلقيناه من خبر الشارع فتكلموا على ما نشا من ذلك الطعن بقدر ما اقتضته قواعد علمهم ، والله أعلم .
نعم ، يرد على من زعم منهم أو من غيرهم أنه من فساد الهواء إشكال ، وقد تكلم عليه ابن القيم في والهدى ، ، وأبطله من أوجه .
منها : وقوعه في أعدل الفصول م وفى أضح البلاد هواء وأطيبها ماء .
وبأنه : لو كان من الهواء لعم الناس والحيوانات ، ونحن نجد الكثير من الناس والحيوان يصيبه الطاعون ، وبجانبه من جنسه ومن يشابه مزاجة من لم يصبه3 . وشوهد يأخذ أهل بيت من بلد بأجمعهم ولا يدخل بينتا بجوارهم أصلا أو يدخل بيتا فلا يصاب منه إلا البعض . وشوهد عند فساد الهواء ربما كان أقل مما يكون عند اعتداله .
ويأن : فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وثثرة الأمراض والأسقام ، وهذا يقثل بلا مرض ، أو بمرض يسير وبأنه : لوكان من فساد الهواء ، لعم جميع البدن بمداومة الاستنشاق . والطاعون إنما يحدث في جزء خاص من البدن الا يتغداه لغيرة ، فيقتل صاحبه غالبا .
وبأنه : لو كان بسبب فشاد الهواء لدام في الأرض ، لأن الهواء يصح تارة ويفسد تارة . والطاعون يأتى على غير قياس ولا تجربة ولا انتظام ، فربما جاء رسنة وربما أبطأ عدة سنين .
وبأن : كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية الطبيعية ، على ما رصح به الحديث : وما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه ، وجهله من جهلهه . أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود رضى الله عنه بسند حسن ، وصححه أبن خبان والحاكم ، وله شواهد بعضها في وصجيح مسلم . وهذا الطاعون أغبى الأطباء دواؤه ، حت سلمم خذاقهم أنه لا دواء له ، ولا دافع له إلا الذى خلقه وقذره، والله أعلم، قال الكلاباذى في إمعانى الأخباره بعد أن ساق قول عمرزبن العاض الأتى ف ى البأب الرابع : فإن هذا الوجع، وحديث عبد الرحمن بن عوف: إذا سمعتم الوباء ببلد فلا تقدموا عليهه : الوجع والوباء مرض كسائر الأمراض التى تصيب الناس من الطبائع وغلبة بعض الأمشاج . وإن لم يكن طعن إنسان ولا وخز جن ، فيجوزاأن يكون الطاعون على ضربين ، ضرب منه : داء ووجع ووباء ، يقع من غلبة بعض الأمشاج الذى هو الدم أو الصفراء إذا احترقت ، أو غير ذلك ، من غير سبب يكون من الجن وضرب منه : من وخز الجن وهذا كما يكون القرح داء أو وجعا يصيب الإنسان من احتراق الدم وغلبة الأمشاج ، فيخرق له الجلد ، ويشرح اللحم وإن لم يكن هناك طعن ومنه ما يكون من طعن الإنس ] قال الله تعالى ، { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله.. وقد قرىء بفتح القاف وضمها فبالفتح : الجراح، وبالضم ز الخراج فكما سمى الطعن والخراج فرحا، كذلك سمى النتى وأصحابه الطاعون وجعا وداء . وقال الله تعالى . إن تكونو تألمون فإنهم يالمون كما تألمون. والألمن الوجع ، والوجع مرض وداء : فكما لم تناف إحدى القراءتين الأخرى في الجراح والخراج ، كذلك لا ينافى أحد الحدثين الأخر فى الوخز والوباء : فكما يجوز أن يكون / القرح جراحا وخراجا ، كذلك يجوز أن يكون الطاعون وخزا وداء ، انتهى ومحصل كلامه أن تسمية الطاعون [وباءه أو وجعا أو داء ، محمول على معنى غير المعنى فى كونه ووخزا من الجن) . والذى يظهر أن الذى ذكره غير لازم ، فإن الوباء يطلق على كثرة الموت ، كما تقدم ، وأنه أعم من الطاعون . وأما الداء والوجع فيطلق كل منهما على كل مرض طاعونا كان أو غيره .