فكونه نازلة إنما جاء من إصابته للجم الغفير في الزمن اليسير بخلاف ما لو وقع الموت به لواحد بعد واحد . وكونه رحمة ، ومن يموت به يكون شهيدا ، لا يدفع كونه نازلة ، كما أن العدو إذا نزلوا بلد المسلمين، فإنذ لا يتوقف [عن الدعاء للمسلمين بالسلامة والنصر على أعدائهم ، وإن كان من يموت بأيدى العدو حيئذ يكون شهيدا لا محالة.
وإلى هذا الجواب نحا تاج الدين السبكى ، ثم قال: هذا من حيث الدعاء برفعه مطلقا عن أهل البلد، وأما دعاء الشخص لم الخاص لنفسه بأن لا يقع، فلا يظهر لى فيه محذورة فإنه يسال أن لا ينزل به عاهة ويعينهاء فكأبه قال : لا تسلط على فلانا الظالم . وقد دعا النبى لأنس بطول العمر، والخبر بذلك تابت في الصحيح، وهو صريح فى جواز الدعاء بطول العمر ويؤخذ من قوله تعالى : وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متعا حسنا إلى أجل مسمى إلى غير ذلك .
فرع إذا جاز الدعاء بطول العمر، فينبغى أن يتقيد بمن كان في بقائه منفعة للمسلمين ، بل يندب ، فإن كان نفعه قاصرا على نفسه فهو دون الأول . ومن عداهما قد يصل إلى الكراهة والتحريم إن اتصف بضدهما وإن لم يتصف فقد قال بعضهم ، لا ينبغى لأحد أن يحب ما يحب إبليس ، فإنه يحب طول البقاء . والحق أن الضابط الرجوع إلى المتعلق، والله أعلم .
قال العلماء: الأجل لا يزيد ولا ينقص ، ولكن فائدة الدعاء تتصور فى أنه قد يجوز أن الله قذر أن زيدا عمره تلائون ، فإن دعا فأربعون ، فيقع أحد الأمرين . وعلى هذا ينزل جميع أنواع الدعاء ، وإلا لم يكن له فائدة لأن الأشياء كلها بتقدير الله تعالى جلت قدرته .
قال تاج الدين السبكى. وأما دعاء معاذي فلم يكن بأن لا يرفع الله الوباء عن المسلمين، بل كان طلب ذلك لنفسه لينال درجة الشهادة .
قلت :، أو ليموت على خلوص من عمله وجهاده قبل حدوث الفتن ، كما تمنى ذلك غير واحد من الصحابة ، وصرحوا بالتعليل بذلك . فمن ذلك ما أخرجه أحمد ، من طريق عثمان بن عمير، عن زاذان أبى عمر ، عن عليم - هو الكندى - قال : كنا جلوسا على سطح ، ومعنا رجل من أصحاب النبى، والناس يخرجون فى الطاعون ، فقال الغفارى . وهو عبس -: يا طأعون خذنى - ثلاثا يقولها - فقال له عليم : لم تقول هذا ألم يقلم رسول الله .
ولا يتمنين أحدكم الموت، فإنه عند انقطاع عمله ، ولا يرد فيستعتب فقال : إنى سمعت رسول الله يقول : {بادروا بألموت ستناء إمرة السفهاء ، ويشرة الشرط ، وبيع الحكم . الحديث وأخرجه الطبرانى في الأوسط ، وابن شاهين في والصحابةل، من طريق موسى الجهنى ، عن زاذان ز كنت مع رجل من أصحاب النبي ، يقال زله : عابس ، أو ابن عابس ، على سطح : فرأى الناس يتحملون ، فقال: ما للناس؟ قيل: يفرون من الطاعون .
فذكره ، لكن قال : رفقال له رجل كانت له صحبة . وقال فيه إمرة الصبيان ، وكثرة الشرط، والأثرة في الحكم الحديث. ولهبدا الحديث شاهد من حديث الحكم بن عمرو الغغارى . أخرجه الطبرانى ، بنحو سياق حديث عبس وفى هذا الحديث فوائد ، منها: وقوع الفرار من الطاعون وإنكار بعض الصحابة عليهم ، وجواز تمنى الموت خشية الوقوع في الفتنة، وحمل الضر المذكزر في الحديث على [الضر] الدنيوى ، لا على الدينى ، والله أعلم .
وقد أخرج أحمد ، من حديث عوف بن مألك ، أنه قال: يا طاعون خذنى . فقالوا له : أليس قد سمعت رسول الله يقول : ما عمر المسلم كان خيرا له1 قال: بلى ، ولكنى أخاف ستا: إمارة السفهاء . . الحديث. وهو شاهد لا بأس به للحديث الذى قبله .
فصل وأما الامتناع من الدعاء أصلا ورأسا فقد حصل الجواب عنه. وخاصله أنه غير محظور، إذ ليس فيه محدور ، وقد قال ، . ولكن عافيتك أوسع لى فالمعتمد أنه يختلف بإختلاف الأشخاص ، فمن قوى يقينه وغلب توكله ، فمقامه أفضل المقامات ، فيفوض ويسلم ، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطثه وما أخطاه لم يكن ليصيبه ، وأنه إن عوفى شكر، وإن لم يعاف صبر بل ربما ارتقى /عن ذلك ذرجة فطلب الشهادة كما وقع ذلك لغير واحد من الصحابة والسلف الصالح وعلى ذلك حمل أبو بكر الرازى عمل أبى عبيدة حيث أبي الخروج من الشام ، وكذا معاذ بن جبل سال الحظ الأوفر منه ، وكذا عمر حيث قال: اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك .