تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما كونه شهادة فهى خاصلة لمن أقام صابرا محتسبا راضيا بوقوعه ، أن لو وقع به، سواء أدعا برفعه أم لا . والطلب من الله والالتجاء إليه مرغوب فيه مندوب إليه ، وغاية الطاعون أن يكون كملاقاة العدو، . وقد ثبت سؤال العافية منه ، تم الصبر إذا وقع اللقاء فوزانه أن لا يتمنى الطاعون ، ويسأل الله العافية منه ، فإن قدر نزوله به صبر واحتسب .

قلت . ويقوى ذلك بما قدمناه ، أنه من طعن أعدائنا من الجن ، ويكفى فى امتثال الأمر بالصبر عند وقوعه عدم الفزار منه، بالخروج من البلد التى يقع فيها إلى بلدة أخرى طلبا للنجاة منه ، وعدم التضجر منه والتبرم . وليس ذلك مباينا لسؤال العبد ربه العافية ، ولا يعارض ذلك الإيمان بالقدر، لاحتمال أن يكون الله تعالى جعل الدعاء سببا لسلامة الداعى من الطاعون ، فيجتمع له أجر الشهيد بأالصبر ، والعافية بالدعاء ، وكل ذلك من فضل الله ورحمته .

وقد( ثبتت الاستعادة في أمور كثيرة ، جاء أن صاحبها شهيد ، فقد أخرج أبو داود والنسائى ، وصححه الحائم ، من حديث أبى البشر ، أن رسول الله فلة ثأن يدعود [اللهم إنى أعود بك من الهدم ، وأعود بك من التردى ، وأعود بك من العرق والخرق وأعوذ بك أن أموت لذيعا . .ه الحديث وأما كونه مقدورا فحق وصدق ، ولا يستلزم منع الدعاء ، بل منع الدعاء من / جنس ترك الأعمال الصالحة ، اتكالا على ما قدر، فيستلزم ترك جميع الأسباب المرتب عليها السعادة ، ويضاد مدح الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشى . وقد جاء من حديث أنس رضى الله عنه مرفوعا لا تعجزوا في الدعاء ، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد .

صححه ابن حبان والحاكم. ومن حديث سلمان رضى الله عنه رفعه : لا يرد القضاء إلا الدعاء . . . أخرجة الترمذى ، وصجحه أبن حبان من حدث ثوبان . وعن عائشة رضى الله عنها مرفوعا- . لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان» . صححه الحاكم .

فرد البلاء بالدعاء مثل دفع السهم بالترس ، وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يحمل السهم ولا يتفى بالترس وأما أن فيه نزعا من القرار فممنوع ، فإن معنى النهي عن الفرار أن لا يغالب القدر بالخول والقوة والخيلة ، فيشارك الذين { ظنوا انهم ما نعتهم حصونهم من الله . والدعاء بخلاف ذلك ، فإنه اعتراف من الداعى بالعجز عن الحول والخيلة مع ما فيه من الخضوع والتذلل ، فلا ينافى التسليم لأمر الله والتفويض لقضائه وأما دعاء النبى به لامته، فجوابه أن فى الدعاء برفعه معاضدة له، أن يرفع الهرج عن أمته . ولا يمنع من ذلك قوله .

اللهم فبالطاعون ، لأنه ليس فيه طلب ذلك ، بل معناه أن لا يجعل عليهم سبيلا لكافر ، وأن الأفة السماوية كافية في الفناء، مع دوام العز فليس الطاعون مقصودا لذاته ، لا بقصد أول ولا يقصد تان، بل المقصود دوام العز ورد الذين كفروا بغيظهم وتطهير المؤمنين من دماء إخوانهم انتهى ملخصا وجميع ما ذكره من الأجوبة مقبول إلا هذال الأخير فهو متعقب بما ثبت من الطلب الصريح ، كما تقدم بيانه في الباب الثالث.

والسبب في ذلك أنه اعتمد على حديث ذكره ابن الأثير فى وجامع الأصول ، عن أنس رضى الله عنه ، أن النبي سئل عن الطاعون فقال : ورحمة ربكم ودعوة نبيكم . . حين سال ربه أن يرفع الهرج عن أمته، فمنع فقال: اللهم فناء بالطاعون والموت. وفى رواية : طعنا وطاعونا. وهذا الحديث لم يثبت ، والأحاديث المصرحة بقوله : واللهم اجعل فناء أمتى قتلا فى سبيلك بالطعن والطاعون ، صحيحة ، وكأنه لم يقف عليها .

وأنا أتبرع عنه بالجواب وخاصله أن دعاءه لأمته بذلك ، لا يستلزم منع الدعاء برفع الطاعون إذا وقع، فينزل طلب الوقوع على أن يقع ذلك لمن انقض أجله ، بأن يموت بع، لتحصل له ذرجة الشهادة بأحد الأمرين ، وينزل طلب الرفع على أن لا يقع ذلك عاما ، فيموت الجمع الكشير في الزمن اليسير ، فيقع بسبب ذلك من خراب غالب البلد ، وتعطيل كثير من المعايش وشمائة عدو الدين ، ما لا يتوقف العالم عن الدعاء برفعه .

بذل الماعون في فضل الطاعون · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بذل الماعون في فضل الطاعونص ٦٥