وتقرير الإشكال من هذه الأحاديث : أن سياقها يقتضى أن الله تعالى أوقع الطاعون عقوبة لمرتكب المعصية ، فكيف يكون له شهادة ورحمة والجواب أنه لا منافاة بينهما فإن من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المحمدية ، أنه عجل لهم عقوياتهم في الدنيا ففى حديث أبى موسى / رضى الله عنه قال : قال رسول الله لة : وأمتى أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الأخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل القتل . أخرجه أبو داود بسند حسن .
وأخرجه الطبرانى من رواية سليمان بن داود الخولاني قال سمعت عمر بن عبدالعزيز يقول لأبى بردة - حدئنا بحديث ليس بينك وبين أبيك فيه أحد : قال: سمعت أبى يقول : سمعت رسول الله يقول : فإن أمتى أمة مقدسة مباركة مرحومة ، لا عذاب عليها يوم القيامة ، إنما عذابهم بينهم في الدنياء . ورجاله ثقات.
وأخرج أبو يعلى من رواية حميد بن هلال ، عن أبى بردة من رجل من المهاجرين قالن قال رسول الله : وعقوبة هذه الأمة بالسيف . ورجاله تقات.
وأخرج أبو يعلى أيضا بسند صحيح، من رواية أبى مألك الأشجعى ، عن أبى حازم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: إن هذه الأمة أمة مرحومة ، لا عذاب عليها إلا ما عذيت به أنفسها قلت :. وكيف تعذب أنفسها قال : أما كان يوم النهر عذاب أماكان يوم الجمل عذاب أبما كان يوم صفين عذاب .
قلت . وهذا معتى حديث أبى موسى . إعذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل، ، فهو شاهد قوى له ، ومثله لا يقال بالرأى ، وهو محمول على معظم الأمة المحمدية ، لثيوت أحاديث الشفاعة ، أن قوما يعدبون ثم يخرجون من النار ويدخلون الجنة .
لكن الغرض أن كون الطاعون من انتقام الله تعالى ، بسبب هتك حرماته ، لا ينافى أن يكون شهادة ورحمة فى حق جميع من طعن ، لا سيما وأكثرهم [ لم ] يباشر الفاحشة المذكورة . لكن لعله إنما عمهم العقاب، ، لتقاعدهم ] عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتخاذلهم عن نصيحة بعضهم بعضا، أو تدن ذوى العفة منهم بأنواع المعاصى ، غير الفاحشة حتى صارت كلمتهم لا تسمع وموعظتهم لا تقبل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وإما أن يكون لزيادة حسنات من لم يباشر الفاحشة ولم يقصر فيما يجب عليه من الأمر والنهي ، كما ثبت فى الحديث الأخر عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله : فإن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمله . فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها . صححه ابن حبان . وله شاهد عند أبى داود ، من طريق محمد بن خالد عن أبيه ، عن جده .
فهذا جاء فيمن يكون له الطاعون شهادة ورحمة ، بخلاف غير هؤلاء ، فلا يكون لهم ذلك إلا مجرد عقوبة . ومن ثم تجد الكثير ممن اتصف بالصفة المذكورة ، يشتد قلقه ويكثر تضجره وتكرهه ، ويتحيل بوجوه من الخيل، في دفعه بأنواع من الأشياء التى يقال : إنها تدفعه ، كالرفى والخوائم والبخورات والعود التى تعلق في الرؤوس وتكتب على الأبواب، [و] التلبس بأنواع من الطيرة التي نهى الشارع عنها ، والحمية عن كثير من المأكولات وغيرها ، وإحالة الأمر على الهواء والماء ، من غير نظر إلى سببه الحقيقى ومادته الصحيحة والتجنب لحضور الجنائز التى ترقق القلب ، وتستجلب الدمع وتؤثر الخشية ، وتورث الخشوع اإلى غير ذلك مما يحرم صاحبه تواب الصبر والاحتساب الذى رتبت الشهادة على حصوله .
وأكثرهم يموت بغير الطاعون في زمن الطاعون / ، فتفوتة درجة الشهادة ، ويخرج من الحياة الدنيا راغما لكن من ختم له بالوفاة على الإسلام ، فقد حصلت له النجاة من الخلود في النار . ويتأيد الخبر .
المقتضى ، لأن أعظم أنباب الطاعون فشو الزنا لما تقدم فى أخر الباب الأول : من قصة بلعم ، والله تعالى أعلم ونجد كثيرا من أهل الخير بخلاف الصفة المذكورة ، وهم مراتب منهم من نجده مستبشرا كما وفع للسلف ، مثل معاذ رضى الله عنه وغيره.