وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى إِطْلاقِهِ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ الصَّلاةَ أَنْ يَتَوَضَّأَ سَوَاءً كَانَ مُحْدِثًا أَوْ غَيْرَ مُحْدِثٍ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ: عَلِيٌّ، وَعِكْرِمَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ١.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ هَذَا الْحُكْمُ باقٍ أَمْ نُسِخَ؟
فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ باقٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ منسوخ بالسنة وَهُوَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ٢: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. فَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ"٣.
وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ أَنَّ أَخْبَارَ الآحَادِ لا تَجُوزُ أَنْ تَنْسَخَ الْقُرْآنَ٤ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِعْلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذا على تبيين مَعْنَى الآيَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ: إِذَا قُمْتُمْ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ. وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَضَّأُ لَكُلِّ صَلاةٍ لِطَلَبِ الْفَضِيلَةِ.
١ في (هـ): شيرين. وهو تصحيف. وقد روى الطبري القول المذكور عن علي رضي الله عنه من طريق عكرمة وعن ابن سيرين من طريق ابن عون، في جامع البيان٦/ ٧٢.
٢ أما بريدة، فهو: ابن الخصيب بمهملتين مصغرًا، أبو سهل الأسلمي صحابي أسلم قبل بدر، مات سنة ٦٣هـ. انظر: التقريب ص: ٤٣.
٣ رواه مسلم وأصحاب السنن عن بريدة في كتاب الطهارة، وقد جاء في البخاري عن سويد بن النعمان، قال: "خرجنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العصر فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا السويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام النَّبِيِّ ﷺ إلى المغرب فتمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ. انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي٢/ ٢٣٢؛ وصحيح البخاري بالفتح١/ ٣٢٣ - ٣٢٤ من كتاب الوضوء.
٤ انظر في مقدمة المؤلف (باب ذكر ما اختلف فيه).