واعلم أن فضيلة هذه الأمة على الأمم المتقدمة وإن كان ذلك باختيار الحق لها وتقديمه | إياها إلا أنه جعل لذلك سببا ، كما جعل سبب سجود الملائكة لآدم علمه بما جهلوا ، | فكذلك جعل لتقديم هذه الأمة سببا هو الفطنة والفهم واليقين وتسليم النفوس .
واعتبر حالهم بمن قبلهم : فإن قوم موسى رأوا قدرة الخالق في شق البحر ثم | قالوا : اجعل لنا إلها . ثم مال كثير منهم إلى عبادة العجل . وعرضت لهم غزاة | فقالوا : اذهب أنت وربك فقاتلا ولم يقبلوا التوراة حتى نتق عليهم الجبل . ولما | اختار سبعين منهم فوقع في نفوسهم ما أوجب تزلزل الجبل بهم .
ولهذا لما صعد نبينا صلى الله عليه وسلم إلى حراء في جماعة من أصحابه تزلزل الجبل | فقال : ' اسكن فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ' . فكأنه أشار إلى أنه ليس عليك | من يشك كقوم موسى .
ومن تأمل حال بنى إسرائيل رآهم قد أمروا بقول ' حطة ' فقالوا : ' حنطة ' | وقيل لهم : ادخلوا الباب سجدا فدخلوا زحفا . وقالوا عن نبيهم : هو آدر . | ومن مذهبهم التشبيه والتجسيم وهذا من أعظم التغفيل ، لأن الجسم مؤلف ، ولا بد | للمؤلف من مؤلف .
ومن غفلة النصارى : اعتقادهم أن الله تعالى جوهر والجوهر يتماثل ، ولا مثل للخالق . | ثم يقولون : عيسى ابنه وقد علم أن الابن بعض ، والخالق سبحانه لا يتجزأ فلا يتبعض . | ثم قد علموا أن عيسى لا يقوم إلا بالطعام ، والإله من قامت به الأشياء لا من قام بها .
وقد عرف يقين أمتنا وبذلهم أنفسهم في الحروب وطاعة الرسول ، وحفظهم للقرآن ، | وأولئك كانوا لا يحفظون كتابهم ، فلهذا فضلوا .
فهم أول أمة يدخلون الجنة . وقد قال عليه السلام : ' أهل الجنة مائة وعشرون | صفا ، أمتي منهم ثمانون صفا ' . |