أما علم الصالحون أن الدنيا دار رحلة دافعوا زمان البلاء وأدلجوا في ليل الصبر | علما منهم بقرب فجر الأجر , فما كانت إلا رقدة حتى صبحوا منزل السلامة , | نفذت أبصار بصائرهم بنور الغيب إلى مشاهدة موصوف الوعد , فتعلقت يد الآمال بما | عاينت بواطن القلوب , وأخمصوا عن الحرام البطون , وغضوا عن الآثام الجفون , | وسكبوا في ظلام الليل الدموع , وتململوا تململ الملسوع , استقاد قلوبهم زمان التطلف , | ثم جثها سائق التعسف , فكلما ألاح لهم الرجاء نور الوصال طبق ظلام الخوف سماء | الأعمال , فهم في بيداء التحير يسرحون , ومن باب التضرع لا يبرحون , وحزنهم | أولى مما يفرحون , فإذا عمهم الغم فبالذكر يتروحون , رفضوا الدنيا فسلموا وطلبوا | الأخرى فما ندموا , يا بشراهم إذا قدموا وغنموا .
أخبرنا أبو بكر الصوفي , أنبأنا أبو سعد الحيري , أنبأنا أبو عبد الله الشيرازي , | حدثنا أبو زرعة الطبري , حدثني يحيى بن عبد الله بن الحارث , حدثنا محمد بن يزيد بن | عبد الصمد , حدثنا سعيد بن نصر , حدثني محمد بن يحيى بن عبد الكريم , عن الوليد | ابن مسلم , عن الأوزاعي , قال حدثني حكيم من الحكماء قال مرت بعريش مصر وأنا | أريد الرباط , فإذا أنا برجل في مظلة قد ذهبت عيناه ويداه ورجلاه وبه أنواع البلاء | وهو يقول : الحمد لله حمدا يوافي شكرك بما أنعمت علي وفضلتني على كثير من خلقك | تفضيلا . فقلت : لأنظرن أشيء علمه أو ألهمه إلهاما . فقلت : على أي نعمة تحمده , فوالله | ما أرى شيئا من البلاء إلا وهو بك ! فقال : ألا ترى ما قد صنع بي ؟ فوالله لو أرسل السماء | علي نارا فأحرقتني وأمر الجبال فدكتني وأمر البحار فغرقتني ما ازددت له إلا حمدا | وشكرا , ولكن لي إليك حاجة , بنية لي كانت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري فانظر | هل تحس بها ؟ فقلت : والله إني لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح | قربة إلى الله عز وجل . فخرجت أطلبها بين تلك الرمال فإذا السبع قد أكلها فقلت : | إنا لله وإنا إليه راجعون ! من أين آتى هذا العبد الصالح فأخبره بموت ابنته , فأتيته |