ودع طبعك لسفر التوبة، وارفق شرعك في طريق الصحبة، واجهد راحلتيك لتلحق الرفقة، وتهيأ للإحرام قبل الوقفة، وانفذ الوية الشوق إلى منى قبل نخلة، لعل رسالة الحب تصل من صاحب الكعبة.
ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي ويأتي الجواب: وإني إلى لقائهم أشوق.
الفصل الثامن والثلاثون
في صدق العبادة
لا تعجبوا بصورة التعبد، وتلمحوا أحسن المقصد؟ ليس كل مصل متعبد، ولا كل صائم بزاهد، ولا كل باك بخاشع، ولا كل متصوف بصاف.
وما كل من آوى إلى العز ناله ... ودون العلى ضرب يدمي النواصيا
ليس كل مستدير يكون هلالا، لا، لا ... ليس التكحل في العينين كالكحل
كم حول معروف من دفين ذهب اسمه كما بلي رسمه ومعروف معروف.
وما كل دار قفرة دارة الحمى ... ولا كل بيضاء الترائب زينب
ذهب أهل التحقيق، وبقيت بنيات الطريق، واعجبا!! لقد رجل القوم، وتخلف أهل السنة والنوم، خلت البقاع من الأحباب، وتبدلت العمارة بالخراب.
يا ديار الأحباب عندك خبر ... أين ساروا وهل لهم مستقر
كان المشايخ في قديم الزمان أصحاب قدم، والمريدون أرباب ألم، فذهب القدم والألم، كان المريد يسأل عن غصة، والشيخ يعرف القصة، واليوم لا قصة ولا غصة، كان الصوفية قديما يسخرون بالشيطان، والآن يسخر الشيطان بالقوم. كان الزهد في بواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب.
سلام على تلك الخلائق إنها ... مسلمة من كل عيب ومأثم
ويحك: صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك، إذا كان العلوي ثابت النسب لم يحتج إلى ضفيرتين، أتحدوا ومالك بعير؟ أتمد قوسا ومالها وتر؟ تتجشأ من غير شبع؟ واعجبا!! من وحمى بلا حبل. إن لم تكن " يعقوب " الأمل، فلا تكن " زليخا " الهوى. واأسفا لقلوب أذابها حب الدنيا، ولأسماع آمالها " حديث خرافة، يتلاعب بها الغرور في بحر الهوى تلاعب الموج بالفريق.
صح بالمنقطعين في بوادي الغفلة؛ ترى أي ذنب اقتطعهم. أين تعبد " السري " ؟ أين جد " الجنيد " ؟ أين مجاهدة " أبي يزيد " ؟ أين جوع " الشبليط؟ يا راضيا بصفة " ابن أدهم " أين عزم " إبراهيم " ؟.
أما الخيام فإنها كخيامهم.
انكسر مغزل " رابعة " وبقي قطن " الحلاج " .
لم تبق إلا روايات وأخبار
أيها الحادي بأحداج الجمال ... لا تنخ بالربع إن الربع خالي
ما عسى أن ترتجي من دمن ... أقفرت من أهلها فهي خوالي
قد عفت أطلالها واندرست ... قف بنا نبكي لأطلال بوالي
لهف نفسي لليال سلفت ... آه هل ترجع لي تلك الليالي
لا تقل لي: بمنى تعط المنى ... بمنى كان من القوم انفصالي
الفصل التاسع والثلاثون
القناعة
أيها المبتلي بحب الدنيا وما ينال منها إلا ما قدر له، كم مرزوق لا يتعب؟ وكم تعب من لا يرزق؟ هذا " موسى يقول (أرني) وما أري و " محمد " يزعج من منامه وما طلب.
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
يا هذا: محبة الدنيا محنة ... داء به مات المحبون من قبلي
إن أقبلت شغلت وإن أدبرت قتلت
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم
ويحك: إن الفقر أصلح لك، وإن فقد الدنيا أرفق بك، غير أن الهوى لا ينظر العواقب، كم في طي مكروهك مصلحة، لو زالت غشاوة العين أبصرتها.
فسبحان من قضى على الكامل بمداراة الطبع الجاهل، ناظر العقل إلى الأخير ناظر، والطمع لا يرى إلا الحاضر، وكم يتعب الشيخ في تقويم الطفل؟؟ إنك لم فسحت لنفسك في هواها، ضيقت عليك طريق الخلاص، إنها لتبذر بضاعة العمر بكف التمزيق، كالخرقاء وجدت صوفا.
يا مستغيثا من الفقر بألسنة الشكوى، حبس الفقر حصن، على أنه داء الكرام. الفقر جب، والفاقة غيابة، والشهوات رق. " الدنيا سجن المؤمن " .