وقوله تعالى بما كسبت قلوبكم مفسر لا يحتمل إلا القصد فيحمل المحتمل على المفسر فيكون الغموس على هذا التأويل داخلة في العقد لا في اللغو فيجب فيها الكفارة
والدليل على صحة هذا التأويل أنه تعالى شرع الكفارة بنفس اليمين من غير شرط حنث فقال ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته وقال تعالى ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ولم يقل إذا حنثتم ولا تجب الكفارة بنفس اليمين إلا في الغموس فصار حاصل كلامه أن معنى الآيتين واحد وهو نفي الكفارة عن اللغو وإثباتها في الغموس والمعقودة فقال الشيخ رحمه الله لما بطل التدافع والتعارض بالطريق الذي بينا لا يصح أن يحمل البعض على البعض أي يحمل العقد على كسب القلب والمؤاخذة المطلقة على المؤاخذة المقيدة لأن فيه تقليل فائدة النص فإنا متى حملنا أحدهما على الآخر كان تكرارا وحمل كلام صاحب الشرع على الإفادة ما أمكن أولى من حمله على الإعادة مع أن فيه عدولا عن الحقيقة من غير ضرورة لأن حقيقة العقد ربط أحد طرفي الحبل بالآخر والعقد الشرعي يسمى عقدا لما فيه من ارتباط أحد الكلامين بالآخر أو ارتباط الكلام بمحل الحكم إن كان الكلام واحدا وعزيمة القلب لا ترتبط بشيء لأنها لا توجب حكما إلا أنها سبب العقد فإنه يقصد بقلبه ثم يتكلم بلسانه فانطلق عليه اسم العقد فكان مجازا يوضحه أن الآية قرئت بالتشديد كما قرئت بالتخفيف وبالتشديد لا يحتمل عقد القلب أصلا فكان حمل القراءة بالتخفيف على ما يوافق القراءة الأخرى وفيه رعاية الحقيقة وتكثير الفائدة أولى من حملها على القصد
وذكر الشيخ أبو منصور رحمه الله أنه تعالى نفى المؤاخذة عن اللغو في الآية الأولى وأثبتها في الغموس والمراد منها المؤاخذة بالإثم ونفاها في الآية الأخرى عن اللغو وأثبتها في المعقودة وفسرها هاهنا بالكفارة فكان بيانا أن المؤاخذة في المعقودة بالكفارة وفي الغموس بالإثم وفي اللغو لا مؤاخذة أصلا فلزم تسليم البيان والعمل بكل نص على حدة دون صرف النصوص بعضها في بعض وتقييد البعض بالبعض فعلى هذا لا يكون الغموس داخلة في اللغو ولا في العقدة فلا تجب فيها الكفارة ولا يثبت التعارض أيضا إلا أن الشيخ أثبت التعارض بأن جعلها داخلة في اللغو ليمكنه إيراده في هذا الفصل وقوله لأن المؤاخذة يتصل بقوله سقط التعارض أو يتعلق بمحذوف وهو ولما كانت الغموس داخلة في اللغو كان التعارض بين النصين ثابتا في اليمين الغموس إلا أنه يندفع باختلاف الحكم لأن المؤاخذة إلى آخره