تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترخصا وإن شاء بذل نفسه في دين الله لإقامة حقه حسبة أي طلبا للثواب وعدالة فيما يدخر للآخرة فهذا أي البذل مشروع قربة كالجهاد أنه لما بذل نفسه ولم يهتك حرمة دينه كان فيه إعلاء دين الله عز وجل وهذا هو عين الجهاد

والأصل فيه ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله فقال نعم فقال أتشهد أني رسول فقال لا أدري ما تقول فقتله وقال للآخر أتشهد أن محمدا رسول الله فقال نعم فقال أتشهد أني رسول الله فقال نعم فخلى سبيله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما الأول فقد أتاه الله أجره مرتين وأما الآخر فقد أخذ برخصة الله فلا إثم عليه ففيه دليل على أنه إن امتنع منه حتى قتل كان أعظم للأجر لأنه إظهار للصلابة في الدين

وما روي من قصة عمار وخبيب رضي الله عنهما أن المشركين أخذوا عمارا فلم يتركوه حتى سب رسول الله عليه السلام وذكر آلهتهم بخير فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وما وراك يا عمار قال شر ما تركوني حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال كيف وجدت قلبك قال مطمئنا بالإيمان قال فإن عادوا فعد أي فإن عادوا إلى الإكراه فعد إلى الترخص

أو فإن عادوا إلى الإكراه فعد إلى طمأنينة القلب فإنه لا يظن برسول الله عليه السلام أنه يأمر أحدا بالتكلم بكلمة الكفر كذا في المبسوط

وفي عين المعاني لو عادوا لك فعد لهم لما قلت ففيه دليل أنه لا بأس للمسلم أن يجري كلمة الكفر على اللسان مكرها بعد أن يكون مطمئن القلب

وأخذوا خبيب بن عدي وباعوه من أهل مكة فجعلوا يعاقبونه على أن يذكر آلهتهم بخير ويسب محمدا وهو يسب آلهتهم ويذكر رسول الله عليه السلام بخير فاجتمعوا على قتله فلما أيقن أنهم قاتلوه سألهم أن يدعوه ليصلي ركعتين فأجابوه فصلى ركعتين وأوجز ثم قال إنما أوجزت كي لا تظنوا أني أخاف القتل ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليكون هو ساجد لله تعالى حين يقتلونه فأبوا عليه ذلك فرفع يديه إلى السماء وقال اللهم إني لا أرى هاهنا إلا وجه عدو فأقرئ رسولك مني السلام اللهم أحص هؤلاء عددا واجعلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي

كشف الأسرار · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كشف الأسرارج ٢ · ص ٤٥٩