قوله وأبعد من هذه الجملة إلى آخره يعني حمل المطلق على المقيد كما قال الشافعي أبعد من الصواب من الجملة التي سبق تقريرها لأن فيه إضافة النفي إلى النص الموجب وإبطال الإطلاق بما هو ساكت فكان الخطأ فيه من وجهين وفيما سبق الخطأ من وجه واحد وهو إضافة النفي إلى الموجب فلهذا كان أبعد من الصواب والمطلق هو اللفظ المعترض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات والمقيد هو اللفظ الدال على مدلول المطلق بصفة زائدة وقيل المطلق لفظ دل على شائع في جنسه مثل رجل ورقبة فيخرج عن التعريف المعارف لكونها غير شائعة لتعينها بحسب الاستعمال فإن أنت مثلا لا يفهم منه عند الاستعمال إلا معين بخلاف رجل فإنه لا يفهم منه معين ويخرج منه أيضا النكرة في سياق النفي والنكرة المستغرقة في سياق الإثبات مثل كل رجل ونحوه لاستغراقها إذ المستغرق لا يكون شائعا في جنسه والمقيد هو اللفظ الدال على مدلول معين كزيد وهذا الرجل وأنت وذكر في أصول الفقه للإمام الرازي أن كل شيء له ماهية وحقيقة وكل أمر لا يكون المفهوم منه عين المفهوم من تلك الماهية كان مغايرا لها سواء كان لازما لها أو مفارقا لأن الإنسان من حيث إنه إنسان فأما أنه ليس إلا الإنسان واحدا أو لا واحدا فهما قيدان مغايران لكونه إنسانا وإن كنا نعلم أن المفهوم من كونه إنسانا لا ينفك عنهما فاللفظ الدال على الحقيقة من حيث إنها هي من غير أن تكون فيه دلالة على شيء من قيود تلك الحقيقة هو المطلق فتبين بهذا أن قول من يقول المطلق هو اللفظ الدال على واحد لا بعينه سهو لأن الوحدة وعدم التعين قيدان زائدان على الماهية
ثم ورود المطلق مع المقيد على وجوه إما أن يكون ورودهما في سبب حكم في حادثة أو شرطه مثل نصي صدقة الفطر على ما سيأتي أو في حكم واحد في حادثة واحدة إثباتا كما لو قيل في الظهار أعتق رقبة ثم قيل أعتق رقبة مسلمة أو نفيا كما لو قيل لا تعتق مدبرا لا تعتق مدبرا كافرا وفي حكمين في حادثة واحدة مثل تقيد صوم الظهار بأن يكون قبل المسيس وإطلاق إطعامه عن ذلك
أو في حكمين في حادثتين كتقييد الصيام بالتتابع في كفارة القتل وإطلاق الإطعام في كفارة الظهار