أراد أنه يعلمه ظاهرا لا حقيقة ومن قال إنه لا يعلمه أراد أنه لا يعلمه حقيقة وإنما ذلك إلى القديم سبحانه وتعالى وقيل كل متشابه يمكن رده إلى محكم فإن الراسخ يعلم تأويله كقوله تعالى نسوا الله فنسيهم فهذا متشابه يمكن رده إلى قوله تعالى لا يضل ربي ولا ينسى الذي هو محكم لا يحتمل التأويل فيكون معناه جازاهم النسيان وهو الترك والإعراض وكل متشابه لا يمكن رده إلى محكم فالراسخ لا يعلم تأويله كقوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ثم الراسخ في العلم هو الثابت المستقيم الذي لا يتهيأ استزلاله وتشكيكه وقيل هو الذي حقق العلم لبسط الفروع بالاجتهاد حتى رسخ في قلبه
وقيل هو الذي حقق العلم بالمعرفة والقول بالعمل وعن النبي صلى الله عليه وسلم الراسخ من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعف بطنه وفرجه قوله وأهل الإيمان جواب عما يقال الخطاب المنزل إما للتعريف أو للتكليف ولا بد فيهما من علم المخاطب ليمكنه العمل به أو يحصل له المعرفة به فإذا انسد باب العلم به أصلا خلا عن الحكمة لأن من خاطب عبده بشيء لا يفهمه لا يعد من الحكمة ولم يكن إذ ذاك فرق بينه وبين أصوات الطيور فبين الحكمة بقوله وأهل الإيمان على طبقتين أي منزلتين في العلم منهم من يطالب أي يؤمر بالإمعان أي المبالغة في السير أي في الطلب من أمعن الفرس إذا تباعد في عدوه لكونه مبتلى بضرب من الجهل إنما قال بضرب ولم يقل بالجهل لأنه لا يصح تكليف من لم يعلم شيئا أصلا فأنزل المحكم والمفسر ونحوهما ابتلاء لمثله ومنهم من يطالب بالوقف أي بالوقوف عن الطلب لأن الوقف يستعمل بمعنى اللازم وإن كان متعديا يقال على رأس هذه الآية وقف أي وقوف أو معناه وقف النفس عن الطلب أي حبسها
فأنزل المتشابه تحقيقا للابتلاء أي في حقه أو تتميما للابتلاء في حق الكل وهذا هو المعنى في الابتلاء بإنزال المجمل والمشكل والخفي فإن الكل لو كان ظاهرا جليا بطل معنى الامتحان ونيل الثواب بالجهد في الطلب ولو كان الكل مشكلا خفيا لم يعلم شيء حقيقة فجعل بعضها جليا ظاهرا وبعضها خفيا ليتوسل بالجلي