الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حيا والتراب الذي جعله خزانة المنافع والنعم هذا ولم يجئ من الطين من المنافع وأنواع الأمتعة فلو تجاوز نظره صورة الطين إلى مادته ونهايته لرأى أنه خير من النار وأفضل ثم لو سلم بطريق الفرض الباطل إن النار خير من الطين لم يلزم من ذلك أن يكون المخلوق منها خيرا من الطين فإن القادر على كل شيء يخلق من المادة المفضولة من هو خير ممن خلقه من المادة الفاضلة فالاعتبار بكمال النهاية لا بنقص المادة فاللعين لم يتجاوز نظره محل المادة ولم يعبر منها إلى كمال الصورة ونهاية الخلقة والله أعلم & الباب السابع والثمانون في كيفية الوسوسة وما ورد في الوسواس &
قال الله تعالى قل أعوذ برب الناس ملك الناس السورة بكمالها هذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي كلها وهو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو ظلم الغير له بالسحر والحسد وهو شر من خارج وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه فهو شر من داخل فالشر الأول لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه والشر الثاني يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهي والوسواس فعلال من وسوس وأصل الوسوسة الحركة والصوت الخفي الذي لا يحس فيحترز منه فالوسواس الإلقاء الخفي في النفس ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس ويؤكده عند من يلقيه إليه كرر لفظها بازاء تكرير معناها واختلف النحاة في لفظ الوسواس هل هو وصف أو مصدر على قولين وأما الخناس ففعال من خنس يخنس إذا توارى واختفى ومنه قول أبي هريرة فانخنست منه وحقيقة اللفظ اختفاء بعد ظهور فليست لمجرد الاختفاء ولهذا وصف بها الكواكب وقوله يوسوس في صدور الناس صفة ثالثة للشيطان فذكر وسوسته أولا ثم ذكر محلها ثانيا في صدور الناس وتأمل حكم القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس