تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد نبه ابن القيم رحمه الله إلى أن إيثار المرء الناس بوقته أمر يفسد عليه

حاله فقال : (مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك ، وتوجهك وجمعيتك على الله ،

فتكون قد آثرته بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار ، فيكون مثلك كمثل مسافر

سائر في الطريق لقيه رجل فاستوقفه ، وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق ، وهذا

حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى ؛ فإيثارهم عليه عين الغبن ، وما

أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره ، وما أقل المؤثرين الله على غيره . وكذلك

الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضاً ، مثل أن يؤثر بوقته ، ويفرق قلبه في

طلب خلقه ، أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله ؛ فيفرق قلبه عليه بعد

جمعيته ، ويشتت خاطره ، فهذا أيضاً إيثار غير محمود . وكذلك الإيثار باشتغال

القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك ، على الفكر النافع ،

واشتغال القلب بالله ، ونظائر ذلك لا تخفى ، بل ذلك حال الخلق ، والغالب عليهم .

وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثر به أحداً ؛ فإن

آثرت فإنما تؤثر الشيطان وأنت لا تعلم) [2] .

ومن مظاهر احترام أوقات الآخرين احترام مواعيدهم من حيث الانضباط فيها ، والاعتذار عند حصول مانع مفاجئ .

ومن الأدب مع أوقاتهم ، أن يبادر المرء بالاستئذان متى ما انتهى من شغله

وحاجته ، أو شعر أنه قد أطال بما فيه الكفاية ؛ إذ قد يجد الرجل حرجاً من أن

يطلب من زائره الانصراف وهو ربما كان ينتظر انصرافه على أحر من الجمر .

وقد يظن بعض الناس أن الإلحاح في الدعوة والمشاركة في المناسبات

الخاصة أمر يعكس عظم قدر الشخص عنده ، وقد لا يكون الأمر كذلك ، بل يمثل

إهداراً لوقت كان يمكن أن يستفيد منه فيما هو أوْلى .

ويبقى الأمر بعد ذلك محتاجاً إلى الاتزان ؛ فعلى الدعاة وأهل العلم أن يسعوا

للإعطاء من أوقاتهم والاحتساب في ذلك ، وعلى من يعاملهم أن يوازن بين استفادته

إعانة الربان · الصفحة ٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إعانة الربانص ٨١