لكننا أحياناً في تعاملنا مع غيرنا خاصة من أهل العلم والدعوة الذين
يقصدهم الناس ويزدحمون عند أبوابهم ربما أسأنا لأوقاتهم من حيث لا نشعر ،
وأحياناً يغيب عن أذهاننا أن من مسؤوليتنا المحافظة على أوقات الآخرين أو على
الأقل احترامها .
ومن صور تلك المحافظة : افتراض الخلاف حول تحديد الأولويات ، فما نراه
مهماً لدينا قد لا يكون كذلك لديهم ، وحتى حين يبقى الخلاف قائماً فالقضية تتعلق
بصاحب الوقت ؛ فرأيه أوْلى أن يعتبر .
وقد نرى أننا بحاجة إلى مساعدة شخصية من أمثال هؤلاء ، كقراءة مسودة
كتاب ، أو مشروع عمل ، أو تقديم استشارة في أمر ما ، وهذا مطلب مشروع ؛
لكنه حين يتجاوز دائرة الطلب إلى الإلحاح والإصرار فهو ينم عن صورة من صور
الوصاية على أوقات الآخرين .
وحين يعتذر لنا بالانشغال فتقديرنا لانشغاله وقبولنا لعذره يمثل صورة من
صور احترام وقته ، وكيف نلوم من اعتذر عن استقبالنا وهو حق شرعي له ؛ وقد
أدّبنا القرآن بهذا الأدب ? وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ?
[النور : 28] والرجوع الأزكى ينبغي أن يصحب بالتقدير للاعتذار لا الانصراف بالسخط واللوم .
روى ابن جرير بإسناده إلى قتادة قال : قال بعض المهاجرين : لقد طلبت
عمري كله هذه الآية ، فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي :
ارجع ، فأرجع وأنا مغتبط ? وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ? [النور : 28] .
وقد جاء تحديد ذلك بالثلاث في السّنّة النبوية ، فعن أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له
فليرجع) [1] .
وتقدير الانشغال بأعمال خاصة بهم أنفسهم كالذكر والقراءة ونحو ذلك مظهر
من مظاهر رعاية أوقاتهم ، خلافاً لما يسلكه بعض الناس حين يقدم على من هو
منشغل بذكر أو تلاوة فيقطع عليه ذلك لأمر لا يستحق .